م. إبراهيم غوشة

 

سجَّل عام 2008م أكبر استهداف صهيوني ضد مدينة القدس ابتداءً من باب المغاربة؛ حيث يُجرَى هدم الطريق المؤدية إلى باب المغاربة بكل ما تحتويه من آثار إسلامية، ووضع مخطط صهيوني لإنشاء جسر قوي يساعد جيش الاحتلال على اقتحام ساحات الأقصى، وبالتوازي مع الاستمرار في حفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى، وتبع ذلك إنشاء كنيس يهودي يبعد 50 مترًا عن الأقصى واقتحامات متواصلة لليهود المتدينين بالعشرات ثم المئات وإقامة وتلاوة الصلوات تحت إشراف وحماية جنود الاحتلال، وقد ظهرت العديد من الصور في الصحف العربية لهؤلاء الصهاينة وهم يتجوَّلون في باحات الأقصى الواسعة، وكان رد الفعل الرسمي والشعبي العربي والإسلامي لكل هذه الانتهاكات ضعيفًا ومحدودًا.

 

وفي يوم 30/10/2008م بدأت الجرَّافات الصهيونية بناءً على قرار المحكمة العليا الصهيونية بجرف ونبش قبور المسلمين في مقبرة مأمن الله!.

 

وهذه المقبرة يسميها أهالي القدس مقبرة "ماملا"، وكانت مساحتها عام 1948 حوالي 200 دونم؛ حيث كان يُدفَن فيها موتى المسلمين قبل سقوط القدس الغربية بأيدي عصابات الهاجانا والأرجون وشتيرن وقبيل 15/5/ 1948م.

 

وتقع مقبرة مأمن الله في القدس الغربية، وهي قريبة من باب الخليل، وقد حوَّل الصهاينة الجزء الأكبر منها عام 1960م إلى حديقة سمّيت "حديقة الاستقلال".

 

وفي عام 1985م قامت وزارة المواصلات الصهيونية بإنشاء موقف كبير للسيارات على أرض المقبرة.

 

وفي عام 2000م تم البدء في عمل مخطط لإقامة "مركز الكرامة الإنسانية- متحف التسامح في القدس" من قِبل شركة فيزنتال ومقرها في لوس أنجلوس في أمريكا.

 

وفي 2/5/2005م جاء حاكم ولاية كاليفورنيا بصحبة زوجته لوضع حجر الأساس لمبنى متحف التسامح بحضور رئيس دولة الصهاينة ورئيس بلدية القدس وغيرهما؛ وذلك على ما تبقَّى من المقبرة بمساحة 20 دونمًا.

 

لقد قام الشيخ رائد صلاح بعقد مؤتمر صحفي؛ كشف فيه هذه الحقائق، ودعا العرب والمسلمين إلى التحرك، وخاصةً الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وكلاًّ من الأردن ومصر والمغرب وتركيا، وأوضح أن مقبرة مأمن الله تحوي جثامين الشهداء منذ فتح القدس على يد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفيها قبور بعض الصحابة والتابعين وجنود صلاح الدين وشهداء مجزرة القدس، وعددهم 70 ألف شهيد، على يد الفرنجة عام 1099م، وآلاف جنود الأتراك وغيرهم.

 

ومما هو جديرٌ بالذكر أن مقبرة اليهود توجد قرب رأس العامود في الجهة الشرقية من القدس، وكان العثمانيون قد سمحوا لهم بالدفن في هذه المقبرة، ومنذ عام 1948م أصبحت تحت سيطرة العرب وحتى عام 1967م، ولم تُمَسَّ هذه المقبرة قط ولم تُجرَّف أو تُنبَش عظام الموتى اليهود أو يُبنى على أرضها، كما يفعل النازيون الصهاينة في مقبرة مأمن الله في غرب القدس الآن.

 

وتبقى قضية أخيرة تلفت الانتباه.. إذا كان الجميع يعتبر أن مقبرة مأمن الله هي أرضَ وقف إسلامي ينبغي أن تبقى تحت المرجعية الفلسطينية.. أوليست القدس الغربية والشرقية وفلسطين جميعها هي أرضَ وقف إسلامي منذ فتحها العرب المسلمون في القرن السابع الميلادي؟!

 

واشتقاقاً من هذه الحقيقة.. أليس من قصر النظر والبعد عن الواقعية مطالبة بعض الفلسطينيين بحصر البرنامج السياسي الفلسطيني في أرض 1967 فقط؟! مع أن واقع الاحتلال الصهيوني في 1967 وقيام دولة للمستوطنين اليهود هناك لا تترك مكانًا لدولة فلسطينية، هو نفس واقع الاحتلال في 1948؟! أليس الأولى والأكثر منطقيةً أن يكون برنامج جميع الفلسطينيين السياسي هو تحرير فلسطين بأكملها، سواء الأرض التي احتُلَّت عام 1948 أو تلك التي احتلت عام 1967؟!