طلع علينا فجأةً مشروع إشراك المواطنين في "إدارة أصول الدولة"، ولم تسبقْ الأمرَ إشاراتٌ أو مشاوراتٌ أو مداولاتٌ أو مقدماتٌ، وحاولتُ قدر استطاعتي أن أُحسنَ الظنَّ في ذلك المصطلح الجديد الذي يُقدِّم وعدًا لكلِّ من بلغ السنّ الحادية والعشرين من المواطنين بأن يأخذ سهمًا مجانيًّا، قد تصل قيمته إلى ألفين من الجنيهات؛ يكون بموجبها متملكًا وشريكًا في هذه الأصول، واعترضَ حسنَ ظني كثيرٌ من الأسئلة التي لم أجد ردًّا شافيًا عليها:
- لماذا الظهور المفاجئ لهذا المشروع؟ وإن كان خيرًا، فلماذا لم نفكر فيه من قبل؟
- لماذا هذا الحنان المفاجئ الذي هبط فجأةً من الحكومة على المواطنين، ليعِدَ كلَّ واحدٍ منهم بسهم والذي يتنافى مع قسوة فواتير الكهرباء التي زادت في نفس التوقيت زيادةً تلتهم قيمة هذا السهم غالبًا قبل استحقاقه؟
- لو تملك كلُّ مواطنٍ على حدة سهمًا، هل يصبح مشاركًا في إدارة هذه الأصول؟ وكيف سيصل صوته إلى هذه الإدارة وغيره من المشترين المتربصين قد حصل على ملايين الأسهم دفعة واحدة؟
إن أصوات المواطنين أصبحت مفتتة لا يجمعها رابط، بينما أصوات المشترين الكبار- وجلُّهم غالبًا من الأجانب- تكون مجمَّعةً باسم مستثمرٍ واحد، فتصبح له الكلمة العليا في هذه الإدارة.
- إذا كانت الأسهم تُوزع على من بلغ واحدًا وعشرين عامًا؛ فهذا البلوغ في أي تاريخٍ يكون؟ وماذا عن من يبلغ هذا السن بعد ذلك؟
- هل تم اختيار السن الحادية والعشرين لإسكات أي اعتراضات على بيع هذه الأصول؟ حيث إن مَن دون ذلك لم يبلغوا سنَّ المعارضة المؤثرة بعد.
- ماذا عن حق الأجيال القادمة؟ يقولون ستكون هناك مخصصاتٌ من الأسهم من أجل صندوقٍ للأجيال القادمة، فهل سنأمنهم عليه إلا كما أمنّاهم من قبل على صندوق التأمينات والمعاشات للأجيال الحالية؟
- هل هناك نوايا خافية تدعمها سوابق ماضية، برغبتهم في إتمام الخصخصة، والاستفادة من العمولات الباهظة؟ وهل الغرض من توزيع الأسهم هو إسكات الناس وإيهامهم بأنهم هم البائعون، والهرب من الحرج من الإفصاح عن سبب بيع أصولٍ حيوية، أو عن هويّة الشاري، أو عن مصير باقي حصيلة البيع؟
- لماذا الاعتماد على هذه الأسهم الورقية الآن؟ في حين يشكو الناس في الغرب من أزماتٍ مالية، من أسبابها قضية التوريق، وإصدار قيم زائفة لهذه الأوراق.
- هل يتم اللعب في قيمة هذه الأسهم عن طريق آلية توزيعها في مكاتبَ وطوابيرَ وتزاحم؟ وهل تؤدي كثافة العرض للبيع إلى انخفاض سعر السهم ثم يأتي المستثمر المتربص- وهو الأجنبي غالبًا- ليشتريَ بثمن بخس، ويتملك أصولنا في أوطاننا؟
- مَن الذي أفقدنا الثقةَ في إدارة أصولنا بأنفسنا؟، وأن تربح بإدارتنا؟، دون الاضطرار لبيعها، لتربح عند المشتري الأجنبي بعد أن كانت خاسرةً عندنا؟.
- هل ستكون المشاركة في إدارة الشركات الخاسرة أيضًا، ولماذا لم يستدعونا من قبل للمشاركة في الشركات التي كانت رابحة؟.
- أيهما أولى؟، المشاركة في إدارة الأصول قبل بيعها، أم القناعة بعائدٍ قليلٍ بعد بيعها؟.
- كيف يُدعى المواطنون إلى المشاركة في إدارة أصول الدولة، وهم محرومون من المشاركة في إدارة شئون الدولة؟، بتزوير الانتخابات وتسخير الدستور وجهات الأمن لضمان ذلك التزوير، ومنع الترشيحات والانتخابات على جميع المستويات، واستبدال ذلك بالتعيينات الفوقية بعد الموافقات الأمنية؟.
- هل يصل الأمر إلى أن ينشأ في مصر استيطان غربي وصهيوني جديد، يتستر بموافقة المواطنين الذين باعوا الأصول برضاهم، وقبضوا حصتهم أسهمًا ورقيةً لا قيمةَ لها؟.
إن ظني، والذي أرجو أن يكون مخطئًا- يذهب رغمًا عني- إلى أن هذا أمرٌ قد بُيِّتَ بليل، ويهدف إلى بيع مزيدٍ من الأصول الحيوية لأجانب، ورشوة الناس ببعض الفتات لمنع اعتراض المعترضين حاليًا أو مستقبلاً، وذلك في مقابل بعض العمولات وبعض الوعود للكبراء، وللذين يتبنون شعار أحيني اليومَ، وأمتني غدًا، أتمني أن أكون مخطئًا، ولئن ساء ظني بالقائمين على المشروع، فإني أحسن الظن بالله تعالى أن يحفظ بلادنا من مكر الماكرين، وأن يجزيَ الساعي إلى الخير خيرًا.