م. أسامة محمد سليمان

يبدو أنَّ هناك بعدًا خطيرًا لم يكن في الحسبان عند الموافقة على صدور قانون نقل الأعضاء البشرية رغم اعتراض البعض وتأخر الموافقة عليه منذ العام 2001م، وأيًّا كانت الفوائد التي ستجنى من خلفه سواء على مستوى الدولة أو الأفراد؛ والتي يمكن إيجازها في رفع مستوى العمر الافتراضي والصحي للمواطنين، علاج القلة القليلة جدًّا من النسبة المصابة بالأمراض المزمنة مما يعني إعطاء الفرصة في حق الحياة.
إلا أنه بمزيدٍ من التأمل والدراسة.. نجد أن المستفيد الأول هم الأغنياء فقط على حساب الفقراء التي أضحت أجسادهم لا تخلو من أثر عمليات نقل كُلية أو فقدان أحد أعضاء أجسادهم، وليس كما أراد القانون في قصر التبرع على الأقارب وبدون عوائد مالية.
وهذا هو ما تريده العولمة الليبرالية المتوحشة في أن تكون الحياة من حق الأغنياء دون الفقراء كما قرّره رعاة العولمة في الفيرمونت بتحويل العالم إلى الخمس الغني الذي له حق الحياة، وجواز الاستغناء تباعًا عن مجتمع الأربع أخماس الفقراء.
وبالنظر لسكان مصر المحروسة ودراسة نسب الفقراء إلى الأغنياء يتبين لك أهمية القانون عند من زوّج المال للسلطة، وتنوع المستفيدين "الأطباء، المعامل، المستشفيات الخاصة..." في بورصة بيع الأعضاء البشرية حسب العرض والطلب من خلال المستشفيات الحكومية والمقاهي والسماسرة؛ حتى غدت مصر سوقًا سوداءَ تنافس البرازيل في تجارة الأعضاء البشرية.
وما يلفت الانتباه هو قرار الصين "وقف عمليات زراعة الأعضاء للأجانب" التي كان يقصدها الأثرياء المصريون والعرب لزراعة الكبد والقلب والكلى وصولاً لنقل الدم والنخاع والجلد، وللقرار الصيني دوافعه التي يجب علينا تأملها ودراستها.
بل الأهم هو النظر للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة الذي لا تبيح قوانينه نقل الأعضاء البشرية.
إنَّ التزايد المريب في وسائل الإعلام بما فيها السوق الإليكترونية عن إعلانات "مدفوعة الأجر" تطلب التبرع لإنقاذ حياة مريض؛ يعنى وجود شبكات دولية لمافيا تجارة الأعضاء البشرية، ولا ننسى ما تسعى إليه بعض الشبكات الدولية من ضم مصر كدولة مشاركة في هذه التجارة ومنها الشبكة الدولية للمشاركة في الأعضاء "c.s.o.s".
ما دعاني للحديث هي ظاهرة الاختفاء المتكررة والمخيفة لأطفالنا ونسائنا بصورة متزايدة عقب الموافقة على قانون نقل الأعضاء البشرية، ولا تستطيع وزارة الداخلية أن تنكر كمِّ البلاغات عن حالات الاختفاء، أو أن تقدم لنا أرقامًا تؤيد ذلك أو تتفضل مشكورة بحل لغز الاختفاء المتكرر في شتى محافظات الجمهورية.
وحتى أكون واقعيًّا في ما أقول أكتفي بسرد بعض الحالات.. منها حالة وقعت في شبرا الخيمة ونشر الخبر في أول أكتوبر لاختفاء طفلة في الثالثة من عمرها.
وحالة حدثت في مدينة دمنهور باختفاء أم في السابعة والثلاثين من عمرها وبصحبتها طفلها الوحيد ذو الثلاث سنوات وهي في طريقها إلى طبيب ابنها المريض في الساعة الحادية عشرة ونصف مساء يوم العاشر رمضان الماضي ولا يعرف مصيرهما حتى الآن، وأخرى لطفلين في الإسكندرية، وأعلم أنَّ غيرها من الحالات وقعت في هذه الفترة في عموم أنحاء الجمهورية!!.
ما يجب ملاحظته أن الاختفاء لسيدات أعمارهن دون الأربعين، وكذلك الأطفال وأعمارهم دون السابعة، ترى ما دلالة ما سبق؟!!, والإجابة مطلوبة من الأعزاء "وزير الداخلية، وزير الصحة، ونقيب الأطباء".
إنَّ الرسائل المتبادلة في سبتمبر 2008م بين رئيس الاتصال السياسي بوزارة الصحة والسكان مع المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية إنما تنذر بتزايد حالات الاختفاء والاختطاف ما يعني تزايد حالات الإتجار بالأعضاء البشرية.
ما هي الإستراتيجيات التي تأخذها الدولة لمنع تلك الجريمة البشعة حتى لا تأخذ شكل الجريمة المنظَّمة، ما أفضل الممارسات التي تتبعها الدول في ذلك، والإصلاحات المطلوبة في نظام العدالة الجنائية.
أين العمل على تحقيق السلام الاجتماعي خصوصًا أن الخاطف والمخطوف مصريان؟!.
كيف نواجه تحديات القرن الحادي والعشرين، وضرورة تحقيق ما أسميّه "التقارب الاجتماعي" بين المجتمع ووزارة الداخلية لمنع الجريمة والوصول للجاني؟!.
ما الدور التشريعي والتنفيذي المطلوب لتنفيذ توصيات وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعددة منذ العام 2002م والتي تمنع وتقمع وتعاقب الاتجار بالأشخاص، وخاصةً "النساء والأطفال"، وإدراج الاختطاف في عداد الجرائم الخطيرة التي تهدد الأمن القومي والسلام الاجتماعي.
المطلوب هو بذل المزيد في:
* الدراسة المتأنية للأثر الإيجابي والسلبي في تنفيذ قانون نقل الأعضاء البشرية والموازنة بينهما من أجل صالح المجتمع "فقيره قبل غنيّه"، وأنَّ القانون ليس عباءة الإخفاء لأطفالنا ونسائنا.
* إصدار التشريعات الأشد قسوة في هذه الجرائم.
* بذل الجهد الاستثنائي في وزارة الداخلية لفك ألغاز وطلاسم حالات الاختفاء والتي بدأت تتجه نحو الظاهرة.
* اتخاذ التدابير الكافية لنشر الأمن والطمأنينة في المجتمع وأساليب حماية الضحايا.
* اتخاذ تدابير وقائية تمنع أو تقلل من هذه الظاهرة على مستوى وزارات الداخلية والصحة والخارجية، وكذلك الجمهور في إرشاده وتوعيته.
* تجهيز حملات إعلامية متطورة عن أساليب الوقاية والطرق التي يستخدمها المتاجرون وكيفية الدفاع عن النفس.
إنّ الأمر جدٌّ وخطير، ولا يحتمل التراخي والتأجيل، وعلى الجميع أن تتضافر جهودهم في إبعاد شبح الاختطاف عن المجتمع المصري الذي اشتهر بوداعته وأمنه، ويكفينا التغيرات الحادثة في البنية الاجتماعية للمصريين والتي بدأت بالتحرشات الجنسية والاغتصاب، فمحاولات الكسب السريع المُجرَّم من خلال اللحوم الفاسدة سواء منتهية الصلاحية أو لحوم القطط والكلاب والحمير، وجميع أنواع الغش التجاري، أو السرقة بالإكراه، أو التوسع المخيف في تجارة المخدرات أو تنوع أساليب النصب والاحتيال والذي يؤيده زيادة معدلات الجريمة.
اللهم احفظ هذا البلد آمنًا مطمئنًا، اللهم آمين.
----------