يرى البعض أنه يجب الفصل بين القضية الفلسطينية وبقية القضايا العربية، مثل العراق ولبنان والسودان والصومال؛ لأن القضية الفلسطينية تنفرد بظروف خاصة جعلت واشنطن تاريخيًّا تخشى الاقتراب منها؛ حتى لا تصاب بلعنة الفشل في إرضاء الشعب الفلسطيني، وإن كانت في كل الأحوال تستطيع أن تُرضيَ الكيان الصهيوني.
ولعل أهم نقاط التفرد في هذه القضية هو أن الكيان الصهيوني هو الطرف الآخر في المعاهدة، أما بقية الملفات الأخرى فإن دور الكيان الصهيوني فيها كبير، ولكنه ليس مطلقًا.
يترتب على ذلك أنه كلما كان دور الكيان الصهيوني أكبر في قضيةٍ من القضايا فإن الأمل يضعف في قدر الإنجاز الذي يمكن أن تحقِّقه الإدارة الأمريكية، ولسنا بحاجةٍ إلى تأكيد حقيقة نرجو ألا تتكرر، وهي أنه في عهد الرئيس بوش كانت واشنطن هي التي تتقدَّم الكيان الصهيوني بحثاً عن مصالحه، وضربت في سبيل ذلك عرض الحائط كافة المرجعيات والقوانين الدولية، وكان همها الأكبر أن تُشعر الكيان الصهيوني بأنه أفضل من كافة المصالح الأمريكية.
ساعد على ذلك أن العالم العربي قد اختفى تمامًا من المعادلة، وأصبحت واشنطن تحقِّق أهدافها في العالم العربي وتُنجز مصالحها، وفي نفس الوقت تقدِّم ما تشاء للكيان الصهيوني دون مجرد اعتراض أو تعليق من العالم العربي.
من ناحيةٍ أخرى ورغم هذه المعادلات الصحيحة في علاقة واشنطن بالقضايا العربية، فإن الحظر الأمريكي الذي لم يعد قائمًا بين العرب والكيان الصهيوني، ولا أظنه سوف يقوم في المستقبل قياسًا على القراءة المتواضعة للمشهد العربي، كان في الواقع يدفع الإدارة الأمريكية إلى تأجيل ملف الصراع العربي الصهيوني، ولكن التأجيل في عهد الرئيس بوش، والذي اعتُبر بالمقاييس العربية التقليدية فشلاً للمسيرة العربية، قد عوَّضه الرئيس بوش بتركيزٍ لم يسبق له مثيل بعد مسرحية الحادي عشر من سبتمبر المتقنة، فأصبح الشرق الأوسط، وخاصةً فلسطين، هو المكان الأثير لزيارات بوش ووزيرة خارجيته، حتى ظنَّنا أن وزيرة الخارجية الفاتنة قد وقعت في غرام شارون، ثم فوجئنا بتقارير صهيونية بأنه هو الذي وقع في غرامها؛ فهذا يفسِّر سر تركيز واشنطن على فلسطين؛ حتى ينجز الكيان الصهيوني قدر ما أنجزته بريطانيا، التي اجتهدت في إعداد فلسطين لقيام الدولة العبرية، مثلما تجتهد واشنطن في إعدادها مرةٍ أخرى لقيام الدولة اليهودية الخالصة، التي أعلن عنها بوش أمام الكنيست الصهيوني في الذكرى الستين لقيام الكيان الصهيوني.
الحالة الأولى عندما أنزلت بريطانيا المشروع الصهيوني من تهويماته وأساطيره إلى عالم الواقع، وفي الحالة الثانية لا أظن أن واشنطن سوف تتخلَّى عن حلم التخلص من فلسطين، وأن تكون الدولة العبرية دولة يهودية خالصة كما كان فيها للغاصبين، فإذا تحوَّل أوباما عن هذا الهدف النبيل فهو يعرف جيدًا المصير.
وقد بدأ الرجل بالفعل بالإعداد لهذه المهمة؛ فعيَّن يهوديًّا صهيونيًّا ساهم في عدوان الجيش الصهيوني على الدول العربية كبيرًا لموظَّفي البيت الأبيض، وهذا هو سر التعليق الهادئ من جانب الكيان الصهيوني بأنه سعيد بانتخاب أوباما.
ويمكن أن تفسِّر هذه السعادة بطريقتين: الطريقة الأولى هي أن الكيان الصهيوني يثق دائمًا في قدرته على التحكم في قرارات البيت الأبيض الذي لا يعلم العرب مجرد ما يجري فيه.
الطريقة الثانية: هي أن هناك ترتيبًا يهوديًّا صهيونيًّا كاملاً لإعداد ما يجب على أوباما عمله في المنطقة.
تطبيقًا لهذه النظرية تبدو توسلات أبو مازن والرئيس مبارك لأوباما بأن يكون أكثر رحمةً بالفلسطينيين من قبيل تحصيل الحاصل ومن قبيل الدعاء غير المستجاب.
يقابل هذه الصورة القاتمة رأي آخر مُفرط في السذاجة؛ يقول إن أوباما يمثِّل المصالح الأمريكية، وأنه هو الذي سيستخدم الكيان الصهيوني مثلما استخدمه بوش في العدوان على لبنان عام 2006، وهي- في نظري- نظرية تتبناها بعض الأوساط العربية في الولايات المتحدة، ولكنها مثَلٌ في السذاجة وحسن النية.
خلاصة هذه النقطة أن لديَّ من الأسباب ما أعتقد بأن أوباما- على خلاف ما توقع أحد كبار الباحثين العرب في مؤسسة كارنيجي للسلام عمرو حمزاوي- سوف يعطي القضية الفلسطينية اهتمامه الأول والعاجل؛ ليس لإنصاف الفلسطينيين أو لأنها قضية متفجِّرة، ولكن لأنها قضية ناضجة لمصلحة الكيان الصهيوني، وأن تسويتها بهذه الظروف تحقِّق إنجازًا تاريخيًّا لا رجعة فيه؛ فالعالم العربي مستسلم لأقداره مرهق وراء نظمه، لا تكاد عيونه الجليلة أن تدرك خارج حدوده، ولا يقوى على النهوض على قدميه بعد أن أعياه أحيانًا الصراع بين السلطة والشعب، وأحيانًا أخرى بسبب قدرات النظم العربية البوليسية على قبر الآمال في الصدور.
والعامل الثاني في المشهد العربي هو هذا التكالب المحموم بين السلطة الفلسطينية وحماس، والاستماتة الواضحة من جانب الكيان الصهيوني لكي تلعق الدماء الفلسطينية، وتجعل الجرح غير قابل للالتئام، وعجز عربي واضح عن العمل بجد للتوفيق بين الأطراف الفلسطينية، وظهور متعمد للمخطط الصهيوني في القدس وضد عرب 1948؛ ولذلك فإن الحكومة الصهيونية القادمة سوف تدخل على أرضيةٍ أمريكيةٍ مربحةٍ وأرضيةٍ عربيةٍ وثيرة؛ ولذلك فإن المقاومة العربية سوف تواجه في المرحلة القادمة أعظم تحدياتها في الوسط العربي، وإغراءات الإغراق والرمال المتحركة؛ مما يطيل معاناة الشعوب العربية.
ومن الحقائق المبدئية في دراسة علاقة واشنطن بالقضايا العربية أن الكيان الصهيوني هو مفتاح واشنطن إلى هذه القضايا، وقد رأينا كيف أن العالم العربي يحتاج إلى معجزةٍ حتى يحوِّل العالم التمنِّيات المترهلة إلى أن يكون فاعلاً حقيقيًّا في قضاياه الوطنية، ولعل الكيان الصهيوني محظوظ أنه يعيش في منطقة رخوة؛ انسحبت منها الروح العامة التي تأبى العدوان والظلم، فلماذا يقدِّم أوباما للعالم العربي ما يتمنَّاه ويحلم به على حساب الكيان الصهيوني، ودون أن يطلب العالم العربي وأن يسعى إليه؟!
تلك هي أهم خصائص العالم العربي ومواقف مفكريه الذين ينقسمون بين التفاؤل والتشاؤم، لكنهم لا يحثون هذا العالم العربي على أن يدافع عن قضاياه، ضد عدوٍّ أقسم أن يحرم العالم العربي من موطئ قدم في ملفاته.
الأخطر من ذلك أن إيران- وفي ظل المناخ الجديد- يمكن أن تكون ضلع المثلث الثالث مع واشنطن والكيان الصهيوني، وأن يصبح العالم العربي هو الضحية على المشرحة، وأن يقتسم الثلاثة جثته؛ كل بقدر ما يملك من أوراق.
والغريب أن بعض الدول العربية الكبيرة التي تحمل غلاًّ شديدًا لإيران وتتمنَّى فناءها، تأكلها الغيرة والحقد دون أن تنتبه إلى أن فشل نظمها السياسية وتدهورها يجعل المسافة بين حقدها وقامة عدوها سببًا في تدهورها؛ ولذلك فإن هذه هي اللحظة الفارقة في تاريخ هذه المنطقة؛ حيث تتوفر عوامل المزيد من التدهور كما تتوفر فرص رد الاعتبار واستعادة التوازن؛ وذلك كله يتوقف على موقف النظم العربية الرئيسية التي انشغلت بصغائر الأمور بشكل مقصود، واكتفت بالمراقبة وأحيانًا ببعض الزفرات، بل انخرطت أحيانًا في فتنة طائفية سنية شيعية تعتقد أنها أحد أسلحة التصدي لإيران.
الصورة كما أراها: إقبال أمريكي على استكمال المشروع الصهيوني، إغفال أمريكي للأماني العربية البائسة، دخول تركيا في الساحة لتشارك في الغنيمة، توحش صهيوني ومرحلة جديدة من مراحل السيطرة على فلسطين والأقصى، وربما التمدد السلمي في لبنان إذا ضحَّت إيران بالمقاومة فيه لحساب اقتسام المصالح مع سادة النظام الجديد، فيصبح العرب بهذا المشهد كالأيتام على مآدب اللئام، علمًا بأن يُتْمهم بأيديهم، ولا تزال الفرصة بأيديهم، وسوف يجدون من الشعوب العربية سندًا إذا قرروا أن يكونوا طرفًا فاعلاً في المعادلة.
وأخيرًا.. فإن تطبيق هذا المشهد على تفاصيل الملفات العربية يبعث على المزيد من الكآبة؛ ولذلك أكتفي في هذه المقالة بهذه الصورة الميلودرامية، على أن أخصِّص جهدًا آخر لتحليل الملفات العربية في هذا الإطار وفي هذا الافتراض الآخر، وهو أن العالم العربي قرر أن يتخلَّى عما آل إليه حاله، وأن يقفز إلى الساحة ليحتل موقعه.