الصحف المصرية نشرت أخبار الغارة الصهيونية على غزة التي قتلت سبعة ناشطين، متجاهلةً حقيقة أنها تُمثِّل انتهاكًا صارخًا لاتفاق التهدئة الذي رعته مصر في شهر يونيو الماضي، وهو ما يعني أن الغارة لم تكن موجهةً ضد فلسطينيي غزة وحدهم، ولكنها كانت أيضًا تعبيرًا عن عدم الاكتراث- عدم الاحترام في الحقيقة- للدور المصري.

 

ويبدو أن الكيان الصهيوني كان مدركًا جيدًا حدود ذلك الدور وسقفه؛ فقام بغارته وقتل مَن قتله، وهو مطمئنٌ إلى أن مصر ستبلع الإهانة ولن تحرِّك ساكنًا، وهذا ما حدث للأسف الشديد.

 

ليست هذه هي الوقعة الوحيدة التي تحيِّر المرء وتُثير لديه العديد من علامات الاستفهام والتعجب، فضلاً عن أنها لا تسمح له بإحسان الظن في دوافع الكثير من التصرفات، ومن أبرز الوقائع الأخرى مسألة حصار غزة، وإصرار مصر على إغلاق معبر رفح التزامًا باتفاقٍ أجمع أهل القانون على عدم الإلزام به؛ الأمر الذي يعني أن الهوى السياسي هو العنصر المحرِّك له أكثر من المسئولية القانونية، وحين يُسجِّل التاريخ وقائع ما جرى في هذا الشأن، فإن أحدًا لن يُصدِّق أن مصر- الدولة الكبيرة والرائدة في المنطقة- هي التي سعت إلى إحكام الحصار على مليون ونصف المليون فلسطيني في القطاع؛ ليس فقط من خلال إحكام غلق معبر رفح، المنفذ الوحيد المتاح لهم للاتصال المباشر مع العالم الخارجي، ولكن أيضًا من خلال تدمير الأنفاق التي سعى الفلسطينيون المحاصَرون إلى حفرها للحصول على ما يحتاجونه من أغذية وأدوية ومتطلبات معيشية أخرى.

 

وإلى جانب هذا وذاك، فإن السلطات المصرية منعت وصول قافلتين مصريتين لإغاثة المحاصَرين في القطاع، في حين لم يجد الكيان الصهيوني مفرًّا من السماح لسفينتين حملتا أعدادًا من النشطاء الأوروبيين، بالوصول إلى غزة لكسر حصارها والتضامن مع أهلها، ومحاولة تقديم بعض المعونات الإنسانية إليهم، وقد وصلت إلى غزة (السبت 8 نوفمبر الجاري) سفينة ثالثة تحمل- إلى جانب المواد الإغاثية- برلمانيين ونشطاء من بريطانيا وإيطاليا وسويسرا وأيرلندا.

 

ومن الأخبار المحرجة والمسيئة إلى مصر حقًّا أن 53 نائبًا أوروبيًّا تقدَّموا إلى السفارة المصرية في لندن بطلب تأشيرات دخول للوصول إلى رفح، والعبور إلى غزة برًّا، ولكن السفارة رفضت طلباتهم، وهو ما اعتبرته النائبة العمالية كلير شورت، وزيرة الدولة السابقة في حكومة توني بلير، تصرفًا غير لائق وإهانة.

 

وإزاء ذلك الرفض أعلن نظير أحمد عضو مجلس اللوردات البريطاني المسئول عن الوفد البرلماني الأوروبي، أنه اتخذ قرارًا بالإبحار من قبرص مع آخرين من البرلمانيين للوصول إلى غزة على ظهر السفينة الثالثة (السبت 8 نوفمبر الجاري)، وكان مؤلمًا ومحزنًا في هذا الصدد أن المستشار محمود الخضيري منسِّق حملة كسر الحصار المفروض على غزة كتب متسائلاً يوم الخميس الماضي عما إذا كان على المصريين أن يحاولوا الوصول إلى غزة عن طريق قبرص بعدما منعتهم السلطات أكثر من مرة من توصيل معوناتهم إلى القطاع من خلال معبر رفح.

 

بذات القدر، لم يكن مفهومًا أيضًا أن تمنع مصر رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني بالإنابة د. أحمد بحر من مغادرة غزة عبر معبر رفح للقيام بجولةٍ عربيةٍ وإسلامية؛ يدعو فيها إلى رفع الحصار عن القطاع، وقد تمسَّكت مصر بموقف الرفض رغم تدخُّل بعض المسئولين العرب، قيل إن منهم السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية، للسماح له بالعبور.

 

هذه التصرفات لا تُسيء فقط إلى الموقف المصري إساءةً بالغةً تشوِّه صورة مصر كثيرًا، ولكنها تُسبِّب لأمثالنا حرجًا لا حدودَ له حين نُسأل عن تفسيرٍ لها، ولأنني لا أجد تفسيرًا بريئًا أو محترمًا، فإنني كثيرًا ما أهرب من الإجابة، وفي بعض الأحيان أعتصم بالصمت وأنا أكتم شعورًا قويًّا بالخزي والعار.

-------------

* الرؤية- 12 نوفمبر 2008م.