حينما نجح أوباما في الانتخابات الأمريكية مثلما كان متوقعًا؛ بدا التفاؤل يسود الأوساط الشعبية في العالم العربي والإسلامي والحقيقة أن التفاؤل شيء طيب وجميل، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "تفاءلوا الخير تجدوه" أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
ولكن في هذه الحالة فإن التفاؤل هو ضرب من ضروب السذاجة والتواكل؛ إذ إن المتطلع إلى الشارع العربي والإسلامي وخاصةً مصر؛ يجد أن الشعب يتوق إلى الخلاص من النظام الفاسد النظام المستفزّ ويتوق بنفسه إلى حل المشكلة الفلسطينية وإلى الحفاظ على الحريات العامة وأن يجد احترامه واحترام آدميته في مصر والعالم العربي بعد أن أهدرت هذه الآدمية.
ولكنَّ ذلك لن يأتي عن طريق أمريكا نهائيًّا وإلا كان حلم "الجوعان بسوق العيش" لأن أمريكا كنظام ومؤسسات- وإن اختلف الرئيس- يقوم نظامها الأساسي على دعم الكيان الصهيوني ومشروعها الصهيوني الاستعماري، وعلى فرض السيطرة والهيمنة في العالم، وخاصةً منطقة الشرق الأوسط وكان الأمر واضحًا جليًّا من سياسة الأرعن بوش والشعنونة رايس، وهو ذات الأمر إن جاء على رأس أمريكا رئيسًا أكثر هدوءًا أو تظاهر بالحكمة؛ لأن الرئيس في أمريكا مهما اختلفت المسميات فإن السياسة العامة عندها واحدة، وقالوا قديمًا في الأمثال الشعبية: "الأبيض والأسود في الكلاب في كل الأحوال هو نجس"، ولا يأتي من الغرب ما يسر القلب، وبعد أن كان هذا الكلام مجرد أفكار وسطور في كتب ورؤوس مفكرين وكتاب.
ومنذ سنيين عديدة وهم يحذِّرون منه ومن الدول الكبرى عمومًا ومن المشروع الاستعماري لديهم.
إلا أن العملاء من الحكام الأقزام كانوا دائمًا يقللون من شأن هذه الأفكار في حينه، وكانت الجوقة الإعلامية والملا لهؤلاء الحكام تتهم هذه الأفكار في حينه بأنها ما هي إلا هلاوس وهواجس وتخضع لنظرية المؤامرة، ولكن للأسف الشديد أظهرت الأيام العكس، وأصبحت هذه الأفكار حقيقةً وأمرًا واقعًا، واحتلت أمريكا العراق وأفغانستان، وحاليًّا السودان مهددة، وسوريا مهددة، وإيران مهددة، والبلد التي لم تحتل عسكريًّا تم احتلالها فكريًّا وثقافيًّا، وما مصر منكم ببعيد!.
وكيف غابت عنهم هذه الحقيقة وتاريخ أمريكا الأسود أمامهم واضحٌ؛ فكل ما فعلوه مع الهنود الحمر واليابان وفيتنام يوضح تاريخ الأمريكان الأسود؛ فهل كان الحكام الأقزام والجوقة الإعلامية وأصحاب النخاسة الفكرية في حالة عمًى عن هذه الأمور وعن توصيف الأمريكان ومعرفة حالهم؟ لا والله.. ولكنها العمالة والمصالح لدى الأمريكان والصهاينة جعلتهم يتعامون عن هذه الحقائق ويخدعون شعوبهم ويقلِّلون من شأن هذه المخاطر التي لو علمتها الشعوب لكان من الممكن أن تتغير أمور كثيرة، وقد ورد ذلك في كتابات المخلصين والمصلحين والمجدِّدين فكانت أفكار ابن باديس والأفغاني والكواكبي ورشيد رضا والبنا وسيد قطب ومحمود محمد شاكر وغيرهم من الشرفاء.. كانت ترد على الأفكار التي تروّج للاستعمار أمثال: لطفي السيد وطه حسين وعلي عبد الرازق، إن لم يكن الاستعمار العسكري فكان الاستعمار الفكري.
وفي العصر الحديث كانت أصوات حرة مؤمنة أيضًا تنادي بالشرف ومقاومة مشروع الاحتلال الفكري والتطبيع مع الصهاينة، وكانت تقاوم مجموعة كوبنهاجن وكامب ديفيد الأولى ونخاسين الصحافة التي يسمونها قومية، وهي لا تعلم عن القومية أو الوطنية أو القومية شيئًا، وكان مصير الشرفاء في جريدة (الشعب) و(مصر الفتاة) و(آفاق عربية) الحبس وغلق الجريدة وتجميد الحزب وغيره من الممارسات الفرعونية.
ولكن لعل ذلك من قدر الله حتى تتعلم الشعوب بالتجربة أن المستنقع الذي وقعت فيه لن يُخرجَها منه أوباما أو غيره، ولكن تخرج منه حين تؤمن بالله وتعمل بمنهجه وتعمل لنصرة هذا الدين؛ دون انتظار أوباما أو غيره وتؤمن أنها هي وحدها التي تستطيع تغيير الحكام الأقزام والعملاء، وهي التي تقضي على الفساد إذا أرادت؛ لأن إرادة الله لا تتدخل إلا إذا رأى الله من أنفسنا خيرًا ورآنا حقًّا نريد التغيير، ورأى أننا قد أخذنا بالأسباب أو عُشر الأسباب وأن الأسباب قد أعيتنا، وواضحٌ ذلك من تفسير سورة القصص؛ ففي البداية كان الاستضعاف واستحياء النساء وتقتيل الأولاد من فرعون، ولم تتدخل القدرة الإلهية؛ لأن الشعب كان راضيًا بالظلم وقتها ولم يتحرك.
ثم بعد ذلك مرحلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنكرات كانت أيضًا مثل اليوم عديدة، ومنها: يوم السبت، والصيد فيه، والتحايل على الله.. مرورًا بعبادة العجل، وحب المال، والهروب من الجهاد والقتال ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)﴾ (المائدة) والحرص على حياة ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (البقرة) وغيره من الأمور التي نرى مثلها الآن من أثر التطبيع مع اليهود عند كثير من الشعوب والشعب المصري خاصةً، إلا ما رحم ربي؛ حيث إن أنظمته هي التي تولَّت كبر هذا الذنب العظيم، ثم تأتي التوبة من بني إسرائيل والحركة والهجرة مع سيدنا موسى؛ وقتها تحركت العناية الإلهية وأغرقت فرعون وجعلته آية وعبرةً؛ لأن من سنة الله أيضًا أن يجعل الظالمين عبرةً وآيةً ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26)﴾ (النازعات) والنمروذ كذلك كان جزاؤه أن يُضرب نفسه بالنعال مائتي عام حين ادَّعى الألوهية وعناده وكبره مع سيدنا إبراهيم، وسبحان الله يضرب نفسه على رأسه بالنعال حتى تهدأ وهي محل التفكير (الغبي) الذي أدى بها إلى هذا الموقف والغباء أحيانًا يكون معصية ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾ (الملك) وهكذا يفعل الله مع كل متكبر متسلط يقوده غباءه لمحاربة دعوة الله وإن أمهله قليلاً لأن الحياة الدنيا مهما طالت فإنها قليل ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)﴾ (النساء) وكذلك من سنته سبحانه وتعالي في الكون أنه لم يجامل أحدًا وإلا كان أولى الناس بالمجاملة أنبياءه ورسله وأولياءه وأولهم سيد الخلق سيدنا محمد؛ الذي جاهد وعانى كثيرًا في غزوة أحد وغيرها.
فهيا بنا نجدد العهد مع الله ونتذكر ديننا وتعاليمه وسنة نبينا ونتوب إلى الله ولا نعول على العملاء أو الفاسدين؛ فقد أثبتت الأيام والتجارب أنهم لا يضعون الشعوب في اعتبارهم؛ لأنهم مفسدون وعملاء وأفسدوا حال البلاد والعباد؛ وقتها يتغيَّر الأمر وتحترمنا أمريكا وغير أمريكا، بل قد ينتشر الإسلام هناك من صورتنا المضيئة؛ أيًّا كان حاكمها وقتها إن كان أوباما أو غير أوباما، ولكن في ظل الضعف والاستخذاء أو الاستسلام وانتظار الحل من الغير فلن يتحقق ذلك أبدًا.