انتهت أعمال المؤتمر الخامس للحزب الوطني وسط ضجيجٍ إعلاميٍّ حكوميٍّ مبالغٍ فيه، وكأنَّ الشعب المصري يترقبه، ويأمل فيه خيرًا، ولولا مشاكل المرور والزحام وسط القاهرة وتعطُّل مصالح المواطنين بسبب انشغال السادة الوزراء بأعمال المؤتمر لقلنا عنه "المؤتمر الخفي".
المتابع لأعمال المؤتمر يُدرك جيدًا أن قياداته تُعاني من مرضٍ عضال لا شفاءَ منه إلا الرحيل؛ رحمةً بالشعب المصري الذي طال صبره وكثر همه وتعمَّقت أزماته.
لاحظت كما لاحظ الكثيرون من المتابعين أن الحزبَ يعيش في مستنقع الأوهام، منعزلاً عن الواقع المصري، لا سيما بعد سلسلة الإخفاقات التي مُني بها الحزب الذي يقبع على صدور الشعب ويكتم أنفاسه أكثر من ثلاثين عامًا.
يعيش الحزب أوهام أنه شعبيٌّ ملتحم بالجماهير، وهذه حقيقة.. إنه ملتحم بجماهير الطلاب في الجامعات والمدارس؛ يزوِّر الانتخابات الطلابية، ويفرض الطلبة المنتمين إليه بالتعيين، ويمنع الطلبة من ممارسة الأنشطة والتعبير عن رأيهم والمشاركة في همومِ وطنهم، ويسمح بالبلطجة الأمنية التي تمارَس عيانًا دون خجلٍ.. حقًّا، هو حزب جماهيري بالثلث.
إنه يعيش وهم أنه حزب العمال والفلاحين، وفي عهده الميمون تشرَّد الملايين منهم وعانوا الأمرَّين، حتى بيعت لحوم الكلاب والحمير والبهائم النافقة والمريضة وأكلها العمال والفلاحون.
ولن ينسى الشعبُ لهذا الحزب "الجماهيري أوي" فضله في ازدياد معدلات البطالة حتى بات همًّا كبيرًا في كلِّ أسرةٍ وبيتٍ، ودعك من أرقام الوزراء، فيكفيك أن تنظر في "شنطة" أي نائبٍ من نواب الشعب والشورى لتدرك حجم المأساة التي يُعاني منه الشعب ونوابه؛ فالشتاء في مصرنا المحروسة له موسم معروف، ولكن سيول طلبات الراغبين في نيل وظيفة (ولو بمائة وخمسين جنيهًا) لا تنقطع "ولسه الأماني ممكنة".
لن ينسى الشعب لهذا الحزب "الشعبي أوي" إنجازاته التي لا ينكرها الجاحدون، وفي مقدمتها اتساع الفوارق الطبقية وتآكل الطبقة المتوسطة، وهي التي تُشكِّل الأغلبية، وتدهور الزراعة والصناعة، وتدنِّي مستوى الخدمات، والتدهور الحاد في مستوى أداء المرافق العامة في ظلِّ التزاوج التعس بين المال والسلطة، وبروز حاد لصورٍ مفزعةٍ من الفساد والانحلال غير مسبوقة إلى حدٍّ أزعج الإعلام الغربي، كما أشارت إليه صحيفة الـ(واشنطن تايمز) الأمريكية؛ إلى أن "مؤتمر الحزب الوطني ينعقد في وقتٍ تزايدت فيه الشكوك في الحكومة، وانتشرت فيه الفوضى السياسية، وتفاقمت المشاكل الاقتصادية، ومن المتوقع أن تزداد المصاعب الاقتصادية في المرحلة القادمة، خاصةً في ظلِّ الأزمة المالية العالمية التي ستتسبب في بطء النمو الاقتصادي وزيادة نسبة البطالة وارتفاع معدلات التضخم".
يعيش الحزب أسيرًا لوهمٍ كبير أنه حزب الأغلبية، ويتباهى صُناع القرار فيه بإنجاز انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى، ومن بعدها انتخابات المجالس المحلية؛ حيث سيطر الحزب عليهما؛ فلم يترك الفرصة لأحد أن يقترب منها، فضلاً عن الترشح لها، وهذا وهمٌ كبيرٌ يضرُّ بالحزب ويضرُّ بالجميع، والكافة يعلمون من أين أتت هذه الأغلبية، وكيف تشكَّلت المجالس المحلية وكيف كان التجديد النصفي لمجلس الشورى.
لقد أيقن الجميع أننا أمام حزب إقصائي من الدرجة الأولى الممتازة؛ لا يؤمن بالتعددية ولا يعترف بتداول السلطة، بل هو مريض بإدمان السلطة، ولأول مرة يُسجِّل التاريخ والجغرافيا أن الإصلاح السياسي يعني مزيدًا من القمع والمنع والحرمان من الترشح والانتخاب، وبدلاً من التقدم على طريق الديمقراطية خطوةً للأمام، إذا بالتعديلات الدستورية التي تقدَّم بها الحزب الديمقراطي تلغي الإشراف القضائي على الانتخابات؛ الأمر الذي يفتح الباب والشبَّاك على مصراعيه للتزوير وتغييب إرادة الجماهير.
لقد عدنا إلى الوراء مائة عام على يد رجال الحزب الوطني، ولم تتقدم البلاد بهم.
- حزب في مواجهاتٍ مستمرة مع كافة قطاعات الشعب، ولم يفلت من ذلك إلا تجار المخدرات والممنوعات والمفسدون في الأرض والمستبدون الجبارون على خلقِ الله.
- حزب في مواجهة القضاة يُهدر استقلالهم.
- حزب في مواجهة العمال؛ يُهدد حياتهم ويعصف بحقوقهم ويتبنَّى سياسات تشرِّدهم وتخرب ديارهم.
- حزب في مواجهة الفلاحين؛ يتجاهل معاناتهم ومشاكلهم، سواء في الدلتا أو الصعيد، ويكتفي بالوعود والكلام.
- حزب في مواجهة الطلاب والشباب؛ يُصدِّر لهم جحافل الأمن للقمع والقهر وقتل الأمل في نفوسهم.
- حزب في مواجهة الموظفين؛ أحال حياتهم إلى مأساة مستمرة، أعطاهم علاوةً واستردَّها أضعافًا مضاعفة.
- حزب في مواجهة المهنيين؛ يعوق الحياة النقابية عقابًا لهم على اختيارهم المستمر للإخوان والمعارضين.
- حزب في مواجهةِ الشعب.. فمتى يفيق من الأوهام ويُدرك حقائق الواقع المصري؟!!
------------
* عضو مجلس الشعب.