الأزمة المالية العالمية التي شهدها العالم مؤخرًا، والتي أدت إلى حدوث هزة لأكبر البنوك الأمريكية مثل ليمان برازر وغيره؛ لها تداعياتها السياسية التي ستؤثر في خريطة النظام العالمي، وأيضًا على الولايات المتحدة، ومن ثم على الدول العربية والإسلامية، وفي القلب من ذلك مصرنا الحبيبة، وهو ما يطرح عدة تحديات ينبغي للجميع مواجهتها، خاصةً أنها إحدى تجليات العولمة الأمريكية التي جعلت الجميع يدور في الفلك الأمريكي، ومن ثم فإن سقوط أمريكا معناه سقوط العديد من الدول الأخرى؛ مثل أيسلندا وباكستان وغيرهما؛ لعل هذا يفسر أسباب سعي هذه الدول لمحاولة مساعدة الولايات المتحدة في الخروج من هذه الأزمة الراهنة.
الأثر على المقولات الأساسية العالمية
لعل أبرز تداعيات هذه الأزمة أنها أظهرت أن العولمة ليست خيرًا محضًا كما كان يروِّج كبار منظّري الغرب، أو المقتنعون بالفكر الرأسمالي الغربي السافر؛ مثل فوكوياما في كتابه عن "نهاية التاريخ"، والذي روَّج فيه بأن الرأسمالية هي القدر المحتوم على البشر إلى أن تقوم الساعة؛ فالعولمة هي البديل عن الاستعمار أو الأمركة وفق تعريف بعض الكتَّاب لها.
ومن ثم فإن العولمة الاقتصادية تحديدًا أفرزت في الأزمة الأخيرة حقيقةً هامةً؛ ألا وهي أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة أو- بمعنى أدق- ربط الاقتصاد الوطني كليةً بالاقتصاد الأمريكي سوف تكون له تداعياته الخطيرة على هذه الدول، ومن ثم فلا بد من البحث عن بدائل للولايات المتحدة إذا ما أرادت هذه الدول، ومنها الدول العربية والإسلامية، أن تتلاشى الآثار السلبية لهذه العولمة.
وبالنسبة لمقولة أن النظام الرأسمالي المتوحش هو الذي ينبغي أن يسود، فقد تحطمت؛ حيث بدأ الحديث عن الرأسمالية الاشتراكية القائمة على تدخل الدولة عند اللزوم لضبط الأسواق الاقتصادية التي ليس لها هدف سوف الربح لفئة محددة بغض النظر عن باقي المجتمع.. هذا التزاوج بين الفكر الرأسمالي والاشتراكي هو أهم ما يميز النظام الإسلامي الوسطي مع بعض الفروق الضئيلة، لكن لا أحد يتحدث بصراحة عن ذلك؛ اللهم إلا بعض الأصوات الغربية التي طالبت بالقضاء على فكرة الفائدة "الربا"، وأن يكون سعر الفائدة صفرًا.
إعادة تشكيل النظام العالمي
أما إذا نظرنا إلى انعكاسات الأزمة على هيكل النظام العالمي؛ فسنجد أننا الآن أمام نظام عالمي جديد آخذ في التبلور، ظهرت بعض إرهاصاته في الآونة الأخيرة قبل هذه الأزمة التي كانت كاشفةً لفشل نظام الأحادية القطبية الذي كانت تقوده أمريكا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وانتصار الحلفاء في حرب الخليج الثانية.
هذا النظام الفاشل الذي أطلق يد الولايات المتحدة يمينًا ويسارًا عبر فكر متخلف لليمين الصهيوني المسيحي المتطرف؛ الذي ساهم في تورُّط بلاده للمرة الأولى في حربين أو مستنقعين يصعب الخروج منهما سالمين، ومن ثم صرنا الآن أمام نظام أقل ما يوصف بأنه نظام ثنائي القطبية على غرار النظام الذي كان سائدًا إبان الحرب الباردة.
وقد لاحظنا ذلك في التحدي الروسي لواشنطن في أزمة جورجيا لدرجة التدخل العسكري الروسي دون أن تحرِّك واشنطن ساكنًا، ووصل هذا التحدي ذروته مع اعتراف روسيا باستقلال إقليمين مسلمين هما أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا.
أما البديل الثاني فهو أننا سنكون أمام نظام تعددية قطبية يمكن أن يضم أربع قوى أساسية هي الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، الصين واليابان، ولا شك أن هذا النظام سوف يعرقل أو يفرمل القاطرة الأمريكية المتوحشة والتي تجد صعوبات الآن في أفغانستان والعراق؛ بحيث بات الحديث عن الانسحاب من العراق مسألة وقت خاصةً في ظل وصول الديمقراطيين إلى الحكم.
المهم أن عصر الإمبراطورية الأمريكية آخذٌ في التهاوي الآن على الصعيد السياسي مثلما تهاوى أيضًا على الصعيد الاقتصادي.
هزيمة الجمهوريين
أما انعكاس الأزمة على الولايات المتحدة ذاتها، فكان واضحًا وصريحًا وسريعًا أيضًا، وتمثل في هزيمة مشروع اليمين الصهيوني وأصحاب الرأسمالية المتوحشة، والذين عانى منهم ليس العرب والمسلمون فحسب، وإنما المواطن الأمريكي أيضًا (يوجد بالولايات المتحدة 40 مليون فقير)، وذلك بسبب قلة الإنفاق على مشاريع البنية التحتية، وتخفيض الضرائب على الشركات العاملة في مجال النفط والمملوكة لكبار رجال الإدارة الأمريكية، وهو ما دفع الناخب الأمريكي إلى انتظار يوم الانتخابات بفارغ الصبر؛ لدرجة وقوف هؤلاء بالطوابير قبل فتح هذه المراكز، بل وجدنا أن من هم على فراش الموت يصوِّتون لصالح أوباما، بالرغم من كونه رجلاً أسود ووالده مسلمًا، لكن هذه المخاوف التي حاول خصومه اللعب عليها لم تثنِ هؤلاء عن التصويت لصالحه.
أثر الأزمة على العرب والمسلمين
إذا انتقلنا للحديث عن الآثار السياسية للأزمة على العرب والمسلمين؛ فإننا نكون بصدد الحديث عن عدة قضايا: الأولى أثر هذه الأزمة على القضية الفلسطينية؛ باعتبارها القضية الأبرز في سلم الأولويات العربية والإسلامية، ثم أثر الأزمة على الدول المؤيدة للولايات المتحدة والدول والحركات الممانعة.
لكن قبل هذا وذاك ينبغي التأكيد أن العرب والمسلمين لم يكونوا طرفًا في المعادلة الدولية، والتي ساهمت في الهزة التي تعرضت لها الولايات المتحدة، أو بمعنى آخر فإن هذا الانهيار الأمريكي ليس بسبب قوة العرب والمسلمين، وإنما هو حصاد ميراث من السياسات الاقتصادية الخاطئة، التي جعلتهم يأذنون بحرب من الله ورسوله، ومن ثم فإن ما يحدث هو أحد السنن الكونية، ونتيجة لمخالفة أوامر الله ونواهيه.
لكن ومع هذا فإننا كعرب ومسلمين سنتأثر- لا محالة- بهذه الأزمة، بل إن بعض حلول هذه الأزمة عند العرب والمسلمين أصحاب المليارات الطائلة بسبب عوائد النفط، والتي جعلت رئيس الوزراء البريطاني يزور بعض دول الخليج من أجل مساهمتها عبر هذه المليارات في وقوف الاقتصاد الأمريكي والأوروبي على قدميه من جديد، ومن ثم فإن السؤال الآن هو: كيف نكون فاعلين وليس مفعولين؟
وهنا ينبغي تأكيد أمرين قد يكونان بمثابة أدوات ضغط للدول العربية والإسلامية في مواجهة هذه الأزمة وتداعياتها:
الأول: امتلاك هذه الدول لاحتياطات مالية ضخمة يمكن توظيفها سياسيًّا لتحقيق بعض المصالح العربية والإسلامية، خاصةً في قضايا مثل القضية الفلسطينية أو العراق.
الثاني: أن نظام الثنائية القطبية، أو حتى التعددية القطبية يجعل هناك هامش مناورة كبيرًا لحركة الأطراف الأخرى مثل الدول العربية والإسلامية أو الدول غير المنحازة لهذا الطرف أو ذاك.
لكنَّ هذه المزايا النسبية ترتبط بمدى توافر الإرادة السياسية والرغبة في التأثير لدى الأنظمة العربية والإسلامية، ولعل هذا ما يدفعنا إلى تقسيم هذه الدول إلى ثلاث فئات هي: قوى الموالاة، وقوى الممانعة، وأخرى لا تنتمي لهذا أو ذاك، بل إنها يمكن أن تتأثر بهذه الأحداث ولا تؤثر بها مثل اليمن والصومال وموريتانيا وغيرها.
أولاً: بالنسبة لدول التأييد والموالاة والتي تضم دول الخليج، ومصر والأردن، وغيرها، فنلاحظ أن دول الخليج على سبيل المثال، بالرغم من أنها تملك رأس المال الوفير الذي يمكن أن يؤثر في القرار السياسي الأمريكي تحديدًا، إلا أنها لا ترغب في التوظيف السياسي لهذه الأموال، لسبب بسيط يتمثل في رغبة هذه الأنظمة في بقائها في الحكم، ومن ثم عدم الرغبة في الدخول في صدامات مع الولايات المتحدة التي توفر لهم الحماية الأمنية تحديدًا من خلال قواعدها العسكرية المنتشرة هنا وهناك، فضلاً عن الأسطول الخامس المرابط أمام سواحل البحرين.
ومن ثم فإن أي استفزاز لواشنطن يمكن أن يكلف هذه الدول الكثير، خاصةً أنها لم تصل إلى الحكم عن طريق الانتخابات الديمقراطية، ومن هنا فإن هذه الدول سوف تسهم في دفع فاتورة الأزمة الأخيرة، لكن بدون تأثير سياسي يُذكر.
أما بالنسبة لدول الممانعة نقصد بها إيران تحديدًا، فإن هامش المناورة الإيراني كبير، خاصة في ظل عدم الاعتماد على الولايات المتحدة من ناحية، فضلاً عن امتلاكها وسائل مناورة كبيرة مثل الشيعة في العراق، وحزب الله في لبنان، فضلاً عن المقاومة الإسلامية في فلسطين، وفوق هذا وذاك التنسيق الكبير مع سوريا، والعلاقات الوثيقة مع كل من روسيا والصين، ومن ثم فإن انعكاسات الأزمة على إيران، أو بمعنى آخر التداعيات السلبية لن تكون بنفس تأثير التداعيات الإيجابية، خاصة أن أوباما يفضل التعامل الدبلوماسي وليس العسكري بالنسبة للملف النووي الإيراني.
وبما أن إيران يمكن أن تكون في موقف قوي، فإنه قد يكون من المفيد للدول العربية والإسلامية دعمها في مواجهتها مع الولايات المتحدة، بدلاً من الحديث عن الانقسام السني- الشيعي؛ لأن هذا قد يسهم في ضعف هذا التكتل لصالح واشنطن.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فالكل يعرف موقف الإدارة الأمريكية، سواءٌ أكانت جمهورية أو ديمقراطية من قضية القدس، ومن قوى المقاومة الإسلامية خاصة حركة حماس، ولعل تصريحات أوباما بشأن هاتين القضيتين واضحة لا لبس فيها، ومن ثم فإن هذه القوى سوف تتعرض لضغوط داخلية من قبل أبو مازن وحركة فتح، وإقليمية من خلال بعض دول الجوار مثل مصر والأردن، ودولية من أجل التخلي عن نهج المقاومة العسكرية، والقبول بما يقدم لها كهدية من "إسرائيل"، ومن ثم فإن الأزمة الراهنة لن تؤثر على هذه القوى ومشروعها النضالي.
التأثير على مصر
بما أن هدف النظام المصري هو تحقيق الاستقرار من ناحية، وتمرير التوريث من ناحية ثانية؛ فإنه لن يسعى لإثارة حفيظة الولايات المتحدة التي تمتلك من أدوات الضغط الكثير لعل منها ورقة المساعدات السنوية وورقة الإصلاح السياسي، وفي المقابل فإن واشنطن تستهدف عدم قيام مصر بعرقلة مشاريعها في المنطقة والانكفاء على الذات، أو العمل وفق الأجندة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بمواجهة حركة حماس من ناحية والوقوف في وجه قوى الممانعة مثل إيران وسوريا وحزب الله من ناحية ثانية.
ومن ثم فإن واشنطن لن تضغط على مصر بشأن الإصلاحات السياسية، أو في أحسن حال يمكن الضغط لصالح المعارضة وليس الإخوان؛ على اعتبار أن موقف الإدارة الأمريكية من الإخوان واضح لا لبس فيه، وهو مبدأ الرفض والاستبعاد، ومن ثم قد يكون الرهان على هذه المعارضة غير الإسلامية هو البديل، بالرغم من أن أحدث الدراسات الصادرة عن مجموعة الأزمات الدولية عن مصر تطالب النظام بضرورة التعامل مع الإخوان، ومن ثم فإن الإخوان- إذا أرادوا استغلال الحدث- مطالبون بالعمل على عدة محاور؛ لعل أبرزها المبادرة بإعادة إطلاق برنامج الحزب، مع السعي للإجابة عن التساؤلات الثلاثة الحائرة والتي أثارت جدلاً واسعًا في الطرح الأول (قضية تولي المرأة الولاية العامة، الأقباط والرئاسة، جبهة العلماء) بما يبعث برسائل تطمينات للقوى المعنية بهذه القضايا "المرأة والأقباط"، ثم ضرورة الانفتاح على النخبة والأحزاب السياسية من أجل تقوية الموقف الداخلي، خاصةً أن الانتخابات القادمة قد تتم في ظروف مغايرة للانتخابات الماضية، سواءٌ على المستوى الدولي أو حتى على المستوى المحلي.
ما المطلوب؟
إن الأزمة الأخيرة تلقي الضوء على عدة أمور:
1- الثقة بالله، وأنه سبحانه القادر على إيقاع العقاب بأمريكا وغيرها، لكن ليس معنى ذلك تقاعس المسلمين عن الأخذ بالأسباب.
2- ضرورة استغلال الأزمة لتقديم المشروع الحضاري الإسلامي؛ باعتباره بديلاً للنظم القائمة التي ثبت فشلها، ونقصد بالمشروع الحضاري ليس المشروع الفكري فحسب، وإنما يتضمن آليات التنفيذ أيضًا.
3- ضرورة تكاتف الدول العربية والإسلامية مع قوى الممانعة في مواجهة الولايات المتحدة، والسعي للتوظيف السياسي لعوائد النفط من أجل صالح العرب والمسلمين.
4- ضرورة سعي الإخوان لمزيد من الانفتاح على الآخر (النخبوي، الشعبوي)، وإعادة طرح المشروع الإسلامي "الإسلام هو الحل"- كفكر وآلية- باعتباره مشروعًا يساهم في حل هذه الأزمة، تمامًا كما يستغل اليسار هذه الأزمة للترويج لمقولاته والمطالبة بحتمية الحل الاشتراكي، ولا مانع من بحث آليات الحل لدى هذه النخب، والوصول لنقاط اتفاق مشتركة قد تكون أرضية لعودة التنسيق معها خلال الفترة القادمة.