![]() |
|
د. حامد أنور |
أطرف تعليق سمعته بعد فوز أوباما ذي الأصل الكيني أن أمريكا دخلت الحرب على ما يُسمَّى بالإرهاب وهي الولايات المتحدة الأمريكية وخرجت منها الولايات المتحدة الكينية، إن الذين يحدثوننا عن تغيير في الولايات المتحدة الأمريكية، وأنها وُلدت من جديد هم واهمون إنها غيرت ملابسها فقط، إنها امرأة خلعت فستانها الأبيض وارتدت آخر أسود فهل تخفي حقيقتها عن مرآتها، رغم أن تلك الانتخابات تحوم حولها شبهات عدة كالتصويت المبكر والتصويت عبر البريد في بدع جديدة من بدع الديمقراطية التي لا تتوقف ولا تضمن نزاهتها ويطاردها شبح الشك أينما حلت.
فلقد تصارعوا عام 2000 في ولاية فلوريدا على طريقة الفوز هل آليًّا أم يدويًّا خشية تدخل عناصر شخصية فيه لتحدد نتيجة الانتخابات، وانتصر الفرز الآلي في النهاية فكيف يكون التصويت بعد ذلك عبر البريد هل يضمن ذلك عدم التصويت مئات المرات، آلاف المرات، يبدو أن الحزب الوطني وجد منافسًا شرسًا له على الأراضي الأمريكية، حتى الناس في الفلبين لم ينخدعوا بهذا التغيير الشكلي فلقد أعجبتني تلك اللافتة التي رفعها اتحاد طلاب الفلبين والتي كتبوا عليها تغيير الأشخاص وليس تغيير السياسات.
حقًّا لم تعد آلة الإعلام الأمريكية تقنع أحدًا وإن كان السيد جيسي جاكسون قد أدى دوره ببراعة في مؤتمر خطاب النصر لأوباما في ولاية إلينوي, إنه يستحق الأوسكار، إن إلينوي ستنافس هوليوود في المرحلة القادمة.
ولكن بعيدًا عن ذلك كله لماذا حين لم يمانع السيد محمد مهدي عاكف أن يحكم مصر ماليزي هاجت عليه الدنيا فبدلاً من أن تصفق للرجل تساميه على تلك النعرات الجوفاء، وهذا التفكير الحضاري خرجت الأقلام الموتورة تهاجمه وتتباكى على الوطنية والعرقية وتذرف دموعًا مصطنعة كريهة الرائحة، أما حين اختارت أمريكا رجلاً كينيًّا إذا بالإشادات تنهمر وفيض الإعجاب بالحضارة الأمريكية يتدفق على مسامع البشر، وكلمات الحبر تتراقص إطراءً وطربًا أهو حلال لهم حرام علينا؟ أهو عندهم التسامح والرقي ودلائل التحضر وعندنا انتهاك للسيادة الوطنية؟ فما لكم كيف تحكمون؟!.
ولكنني أبشرهم بأن المصريين سبقوا أمريكا بقرون حين احتشدوا جنودًا خلف قطز وبيبرس وتجاوزوا الأبعاد العرقية وهزموا التتار والصليبيين.. كم أنتِ عريقة يا أرض الكنانة، فمتى نرى مَن يحكم الصومال من جزيرة العرب ومَن يحكم بلاد الشام من الإسكندرية ومَن يسير شئون المغرب من بغداد؟.
ولكن الإدارة الأمريكية لا تريد للخيالات المريضة أن تشطح بعيدًا فأحلام هؤلاء المطبلين سرعان ما تبخَّرت مع لهيب الاختيارات الأوبامية، فجاء رام عمانوئيل المشاغب خير تعبير عن وجه أمريكا الحقيقي الذي كان يتخفى في الماضي تحت زعم الوسيط، فلربما تكون تلك الانتخابات أشبه باللحظة الفارقة الكاشفة التي يظهر فيها البطل شخصيته الحقيقية بلا رتوش.. ما أقبحها!!.
فالكيان الجاثم على صدورنا يعلن أنه رجلهم في البيت الأبيض ووالده يصرح لـ(يديعوت أحرونوت) "إنه سيدافع عنهم وكيف له ألا يفعل ذلك"، وهنا تبدي كل نفس ما أنكرت، فنعم المواطنة، ليثبت للجميع بلا مواربة أو قليل من التشكك أن الهوية عنصرها الرئيس هي الديانة وليس الجنسية.
إن أوباما قد ينسحب من العراق استجابةً لاقتراح كيسنجر حين نصحهم بأن يكون شكل الانسحاب مقبولاً محافظًا على صورة الولايات المتحدة ويحفظ لها ماء وجهها ولكن هذا لا يعني أن حرب أمريكا الضروس في المنطقة قد انتهت بل ستبدأ فصلاً جديدًا في مكان آخر بتكتيك جديد إنها تريد أن تحشد قلوب العرب والمسلمين خلفها ضد منظومة القيم الإسلامية التي لن يستطيع الغرب كله وبمن استدعاه من مفكريه ومنظريه وفصحائه أن يأتي بنظير لها هم أعجز من أن يقدروا على ذلك.
إنهم يهللون لتجاوز العرقية في القرن الحادي والعشرين التي تجاوزها نبي الإسلام في القرن السابع الميلادي فما لهم ينعقون بهذا النصر الكاريكاتيري وأكبر دليل على عجزهم أنهم متناقضون مع أنفسهم يحدثوننا عن الحلم الأمريكي وأنها بلد الممكن في كل شيء لتحسين صورتهم ثم يأتون بهذا العمانوئيل.
إنني أرى إن كان للولايات المتحدة علينا من فضل فإنه يتجلى واضحًا في أنها كانت سببًا للتمايز بين صفوف الأمة ليستبين الذين صدقوا وليظهر بجلاء الكاذبين الذين تحالفوا مع المحتل وصاروا أداة من أدواته وسيفًا من سيوفه وبوقًا فظًّا من أبواقه، كان لا بد لهذا الأمر من تمامه حتى تتضح حقيقة نفوس تخفي وجوه الذئاب خلف هذا القناع البشري، تخفي أنفاقًا عملاقةً من الخيانة تحت هذا القفص العظمى الضيق مهما أنفقنا من أموال ما كان لها أن تستبين.
