فاجأتنا بعض وسائل الإعلام في الأسبوع الماضي بأن مسئولين بالأزهر الشريف قد رفعوا القضية الفلسطينية من جدول أعمال جلسات مجمع البحوث الإسلامية، رغم حصول الشيخ تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين بوعدٍ بذلك من مشيخة الأزهر؛ حيث طلب الشيخ تيسير من الأزهر اتخاذ موقفٍ حاسمٍ تجاه المخططات الصهيونية لتهويد القدس والاستيلاء عليه، بالإضافة إلى خطورة ما يتعرَّض له المسجد الأقصى من اقتحاماتٍ متكررةٍ من المتطرفين اليهود وتدنيسهم المسجد تحت دعوى إقامة الهيكل المزعوم.

 

وإذا أضفنا إلى ذلك ما يذكره الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني أن الآثار الإسلامية في القدس تُلقى في المزابل ومكبات النفايات القريبة من حدود القدس بقرارٍ من المؤسسة اليهودية التي سمحت للحفريات بالاستمرار في كل جنبات الأقصى بحثًا عن أي دليلٍ يشير إلى آثار يهودية في المنطقة.. كما أن هناك مخططًا لإقامة أكبر كنيس في العالم في الزاوية الغربية من المسجد الأقصى على حساب المدرسة الإسلامية المعروفة بـ"الكنكزية" ضمن ملف عبري أطلق عليه "القدس أولاً"، وهذا المشروع يُشكِّل أكبر خطرٍ على المقدسات الإسلامية.. وفي مقدمتها مستقبل المسجد الأقصى.

 

فإذا ما توافرت كل هذه الحقائق لدى مشيخة الأزهر- وهي متوافرة!! فإن منع إدراج قضية فلسطين، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، وما يُراد له من تدميرٍ على يد العصابات الصهيونية، كل ذلك وما إليه يفقد الثقة بأكبر مؤسسة إسلامية ودعوية، ويدعونا ذلك إلى مناشدة العلماء الأجلاء إلى الانحياز للحق، والوقوف مع أصحابه دون الانسياق إلى إرضاء أصحاب "البوتيكات" السياسية التي كل همها التوافق مع التوجهات الصهيوأمريكية.

 

وهذا الحصار الظالم على "غزة" وأهلها يأتي استجابةً لرغبات العدو الصهيوني وبمباركةٍ من أمريكا، وهو لا شك يحقق لهم الرغبة في محاصرة حماس وإفشالها في مهمتها في إدارة شئون الفلسطينيين في غزة حتى يتم تفجير الأوضاع في الداخل وإحداث ثورة على حماس وتستسلم كل فلسطين- الضفة وغزة- لدوامة المفاوضات تحت قيادة السلطة التي لن تنتهي إلى شيء، فلا المفاوضات تتوقف، ولا الحلول السلمية تصل إلى شيء، ويكون جري الجميع وهرولتهم إلى سراب.

 

هذا ما يريده أعداء القضية، وللأسف، يريد ويناصر هذه الإجراءات أغلب الأنظمة الحاكمة في دول الطوق المحيطة بالكيان الصهيوني؛ بل ربما كان بعضها أشد قسوةً في إحكام الحصار من الكيان الصهيوني نفسه، إذْ في الوقت الذي تمنع فيه مصر تسيير حملة لكسر الحصار المفروض ظلمًا على أهلنا في غزة، بل وتتعقب أغلب النشطاء وتصادر حرياتهم وتعتقلهم من بيوتهم ويظلون قيد هذا الاعتقال أيامًا وأيامًا.. وهم الشرفاء أصحاب النخوة والغيرة، وهذا التصرف يُعطي دليلاً قاطعاً أن الدولة حريصةٌ على الحصار وتمنع فكَّه بقوةٍ وقسوة أكثر من حرص الكيان الصهيوني نفسه ولو في ظاهر الأمور؛ إذْ من الغريب أن يسمح الكيان الصهيوني لسفينة تقل نشطاء أجانب قادمة من قبرص منذ حوالي أسبوع لكسر الحصار المفروض على غزة منذ أكثر من عام ونصف، في الوقت الذي تمنع فيه قوى الأمن في مصر مثل هذه القافلة وعدم تحركها من القاهرة ابتداءً.. وهذا يشير إلى تواطؤ الكيان الصهيوني والقوى الحليف له سواء أجنبية أو عربية على كبح جماح حماس وغيرها من فصائل المقاومة والممانعة.

 

ومن المحزن أن نرى السلطة الفلسطينية في الضفة تقوم بمهام العدو المحتل، بل وتعمل على حماية هذا العدو من المقاومة سواء كانت هذه المقاومة وطنية أو إسلامية، لا تهم الآن الهوية أو الشعار.. إنما المهم في المقام الأول أن تتوجه كل أعمال المقاومة إلى العدو نفسه، حتى وصول الجهاد الفلسطيني إلى غايته وتحقيق الانتصار عليه، وعودة الحق إلى أصحابه، وعندما تعلن السلطة في الضفة، كما يذكر الأستاذ شعبان عبد الرحيم رئيس تحرير (المجتمع) الكويتية أنها اعتقلت ستين من كوادر حماس في الضفة ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر كان يتم إعدادها لمقاومة الاحتلال، مع أن ذلك يدخل في عداد الأمور والأفعال المشروعة وتجيزه جميع الشرائع والأعراف الدينية والدولية.

 

ومن العار أن تفتخر بذلك السلطة الفلسطينية وتعتبره عربونَ محبة وولاء للعدو الجاثم على صدور الجميع، وأنها تقوم بنفس الدور نيابةً عن العدو، وتكفيه مئونة المواجهة واحتمال سقوط ضحايا منه على يد المقاومة الباسلة.

 

إذن السلطة تقوم بالنيابة بأعمال القمع والتصفية الجسدية والاعتقال لكلِّ مَن يُكدِّر صفو العدو المحتل وتقلق مضجعه، وقد اعتقلت السلطة من المقاومة أكثر مما اختطفه الكيان الصهيوني، كما أن عمليات القتل على أيدي زبانية السلطة في السجون أو تحت التحقيق أو خلال الهجمات الدموية على بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم لتصيب كل وطني حر بالإحباط والخجل.. أضف إلى ذلك عمليات التجسس والإبلاغ عن قيادات المقاومة وكوادرها لصالح الصهاينة بل وتسليم مطلوبين وإرشاد طائرات ودبابات العدو خلال الاقتحامات والاغتيالات، التي علمها وتابعها الجميع طوال خمسة عشر عامًا.. وحتى الآن.

 

وأغرب ما يراه ويسمعه المحلل لأحوال عالمنا العربي والإسلامي أن يقوم رئيس وزراء بريطانيا (جون براون) بزيارة إحدى دول الخليج.. ويطلب من مسئولٍ بارزٍ أن يقوم بحث دول الخليج لتساهم في تخفيف عبء الأزمة المالية.. عمن؟! عن أمريكا والدول الأوروبية.. يا للعجب.. ألم يكفهم أنهم قد استنفدوا ثروات هذه البلاد، ووجهوا عوائد البترول إلى الاستثمار في بنوكهم وزيادة غناهم وثرائهم.. فزادوهم- أهل الغرب- غنًى وزاد العرب والعالم الثالث- وأغلبهم من المسلمين- فقرًا وحاجةً وتخلفًا؟!.

 

طبعًا لا يكفيهم ذلك.. فاتجهوا إلى أن يقوم أهل الخليج بالتفريط بالبقية الباقية من ثروات البترول لتخفيف عبء الأزمة المالية الطاحنة التي عصفت بالغرب والشرق، والغني والفقير معًا، وعلى افتراض تم ذلك- وأظنه سيتم- فمقابل ماذا هذا الكرم الحاتمي؟! هل مقابل أن يكفَّ الكيان الصهيوني عن أعمال العدوان والقتل واغتصاب أرض فلسطين وانتهاك حرمة المسجد الأقصى؟! أم هل مقابل رد الحقوق لأصحابها وعودة اللاجئين لديارهم وإقامة دولة فلسطين ورفع الأيدي الظالمة الآثمة عن فلسطين وشعبها الصابر؟!.. فإلى متى هذا التفريط في ثروات الأمة؟ ومتى تُوجَّه هذه الأموال لرفع مستوى شعوب العالم العربي والإسلامي، خاصةً أن غالبيتهم يعيش تحت مستوى خط الفقر؟.

 

ثم هذا الحوار بيد الفرقاء الفلسطينيين في القاهرة.. ماذا يُراد منه وله؟ فلقد استبشر الجميع خيرًا.. وتطلعوا إلى القاهرة حيث تلتقي جميع الفصائل ليصلوا إلى نقطة التقاء وتفاهم حول ورقة العمل التي تقدمت بها مصر.. وأهم معالمها:-

1-  تشكيل حكومة تكنوقراط انتقالية من خارج أُطر الفصائل لتسيير الأعمال للعمل على فك الحصار.

 

2-  الاتفاق على ميثاق قومي فلسطيني (جديد) يتضمن رؤيةً سياسيةً فلسطينيةً برنامجيةً باتجاه إنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي المحتلة عام 1967م.

 

3-  السعي لبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أساسٍ مهني، وأن يتم توفير قدرات عربية.

 

ومع أن حماس قد رحَّبت بالحوار من حيث المبدأ ورأت فيه مخرجًا من المأزق وحالة الاحتقان، غير أن كثيرًا من المحللين رأوا أن في هذه المسودة المصرية ملاحظات:-

1-  أن فيها إضعافًا لنفوذ حركة حماس في فلسطين أو (غزة) وتعزيز وضع محمود عباس، وإبعاد حماس عن الحكم.

 

2-  إعلان ميثاق قومي بهدف إحراج حماس ويدعو إلى الاعتراف بـ"إسرائيل" وبالاتفاقيات المُوقَّعة معها.

 

3-  تسعى السلطات المصرية من خلال الحوار لوضع حماس أمام مواقف لجهات كلها مؤيدة للمشروع، وإجبارها على القبول بالوثيقة.

 

ومن هنا فإن حماس قد قدَّمت ملاحظاتها على هذه الوثيقة، مع إدخال تعديلاتٍ عليها قبل الموافقة.

 

ومن هنا كذلك فإن الاحتقان يُعطِّل أو يؤجل هذا الحوار إلى أجلٍ يعلمه الله، ويجعلنا نكرر السؤال إلى أين تسير قضية فلسطين؟؟!!.