حماية حقوق الأفراد وحرياتهم هو جوهر عمل القضاء كما تنص عليه المادة 65 من الدستور.
والسيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، وهو جوهر الديمقراطية؛ ذلك ما تنص عليه المادة الثالثة من الدستور.
ولكن يستحيل على المواطن الفرد أن يقوم بدوره في توجيه السلطة أو الرقابة عليها، ولهذا حرصت الأمم على أن تكفل للأفراد حق التجمع في شكل أحزابٍ أو جمعياتٍ أو نقاباتٍ، أو غير ذلك من المؤسسات، فقيمة الدول تتحدد بحسب قيمة مؤسساتها، فالحضارة ليست نتاج حاكم فرد وقطيع من الرعايا، وإنما هي نتاج عدة مؤسسات، ولقد كانت مصر- حتى في العصر المملوكي- دولة لها هيبتها؛ لأنها كانت مليئة بمؤسسات المجتمع المدني، منها الأزهر الذي يختار شيخه، ومنها تنظيمات مهنية، فهذا شهبندر للتجار، وذلك شيخ للفحَّامين، وهذا نقيبٌ للأشراف أو للصناع، بالإضافة إلى مشايخ القبائل والأسر والعشائر.. ذاك ما جاء في كتاب (وصف مصر) أو تقرير اللورد كتشنر، وما شهد به الرَّحالة الغربيون وسجَّله المقريزي في خططه والجبرتي في مذكراته.
ولما بدأت مصر تتجه إلى بناء الدولة الحديثة على يد محمد علي وابنه الخديوي إسماعيل عرفت مصر النقابات المهنية، وأدَّت دورًا عظيمًا في تأسيس مهن الطب والمحاماة والهندسة والصحافة.
النقابات في الدستور والمواثيق الدولية
تنص المادة 56 من الدستور على أن (إنشاء النقابات والاتحادات على أساسٍ ديمقراطي حقٌّ يكفله القانون، وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وينظم القانون مساهمةَ النقابات والاتحادات في تنفيذ الخطط والبرامج الاجتماعية، وفي رفع مستوى الكفاية ودعم السلوك الاشتراكي بين أعضائها وحماية أموالها، وهي ملزمة بمساءلة أعضائها عن سلوكهم في ممارسةِ نشاطهم وَفْقَ مواثيق شرف أخلاقية وبالدفاع عن الحقوق والحريات المقررة قانونًا) لأعضائها، وهو ترديد لما جاء بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقية الدولية 87 لسنة 1948م والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي وقَّعت عليها مصر جميعًا وصادق عليها البرلمان، والتي تنصُّ على أن (تكوين المنظمات والنقابات يكون بمحض إرادة أعضائها دون ترخيصٍ ولهم وضع لوائح النظام وإجراء الانتخابات دون تدخلٍ من الدولة أو أي أطرافٍ أخرى).
رأي المحكمة الدستورية
وتقول المحكمة الدستورية في حكمها الصادر بتاريخ 11/6/1983م في القضية رقم 47 لسنة 3 قضائية ما يلي: مؤدى نص المادة 56 سالف الذكر الذي أورده الدستور في باب الحريات والحقوق والوجبات العامة أن المشرع الدستوري لم يقف عند حد ما كان مقررًا في الدساتير السابقة من كفالة حق تكوين النقابات وتمتعها بالشخصية الاعتبارية (المادة 55 من الدستور 1956 والمادة من دستور 1964)، بل جاوز ذلك إلى تقرير مبدأ الديمقراطية النقابية فأوجب أن يقوم تكوين النقابات والاتحادات على أساسٍ ديمقراطي؛ وذلك تعميقًا للنظام الديمقراطي الذي اعتنقه الدستور، وأقام عليه البنيان الأساسي للدولة، بما نصَّ عليه في مادته الأولى، وما ردده في كثيرٍ من مواده من أحكامٍ ومبادئ تُحدد مفهوم الديمقراطية التي أرساها وتُشكِّل معالم المجتمع الذي يُنشده سواء ما اتصل منها بتوكيد السيادة الشعبية (وهي جوهر الديمقراطية)، أو بكفالة الحريات العامة والحقوق العامة (وهي هدفها) أو بالمشاركة في ممارسة السلطة (وهي وسيلتها)، كما عُني الدستور بتمكين المواطنين من ممارسةِ حقوقهم العامة، ومن بينها إسهامهم أنفسهم في اختيار قياداتهم ومَن ينوب عنهم في إدارةِ دفة الحكم ورعاية مصالح الجماعة؛ وذلك بطريقِ الانتخاب.
ومن بين ما يقضي به الدستور أن يكون لأعضاء النقابة أن يختاروا بأنفسهم في حريةٍ قياداتهم النقابية التي تُعبِّر عن إرادتهم وتنوب عنهم؛ الأمر الذي يستتبع عدم جواز إهدار هذا الحق بحظره أو تعطيله.
ومن ثَمَّ تكون هذه النصوص قد وضعت قيدًا يتعين على المشرع العادي أن يلتزم به مؤداه ألا يتعارض ما يسنه من نصوصٍ تشريعية في شأن النقابات مع مبدأ الحرية النقابية بمفهومها الديمقراطي الذي سلف بيانه ولا يقدح في ذلك أن النقابات تعدُّ من المرافق العامة؛ ذلك أن تنظيم المرافق النقابية باعتبارها من أشخاص القانون العام، وإن كان يدخل في اختصاص الدولة بوصفها قوَّامة على المصالح والمرافق العامة.
إلا أن هذا التنظيم يلزم أن يتم طبقًا للحدود ووفقًا للضوابط التي أرساها الدستور، ومن ذلك ما نصَّت عليه المادة 56 على ما سبق ذكره وانتهت المحكمة إلى القضاء بعدم دستورية القانون 125 لسنة 1981م الخاص بنقابة المحامين كله؛ لأن المشرع قد انتقص من حقِّ المحامين في اختيار مجلس نقابتهم.
رأي محكمة النقض في قضية فرض الحراسة على النقابات
مفاد نص المادة 729 من القانون المدني أن (الحراسة هي وضع منقول أو عقار أو مجموع من المال يتهدده خطرٌ عاجلٌ في عهدة شخصٍ ليتولى حفظه وإدارته).
فالحراسة تُفرض على الأموال لا على الأشخاص، ومهمة الحارس هي مجرد حفظ المال وإدارته، والنقابات حسب نص المادة 56 من الدستور هي مؤسسات دستورية تُسهم في وضع خطط الدولة وتنفيذها فتعمل على رفع مستوى كفاءة أعضائها، وتتولى الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم وضبط سلوكهم، وهي بصريح حكم المحكمة الدستورية وبإجماع فقهاء مصر والعالم وأحكام القضاء من أشخاص القانون العام.
وإذا كان فرض الحراسة على الشخص الطبيعي غير مُتصوَّر فلا يمكن أن يُسند إلى الحارس القيام بمهام الأب أو الزوج فإنه لا يُتصوَّر أن تُفرض الحراسة على أشخاصِ القانون العام.
وإلا جازَ لنا أن نتصوَّر أن تُفرض الحراسةُ على مجلس الشعب وتكون مهمة الحارس إصدار التشريعات ومراقبة الحكومة، أو على مشيخةِ الأزهر أو بطريركية الأقباط الأرثوذكس، ومن هنا نقول إن تعطيل نشاط النقابات بزعم فرض الحراسة القضائية فضيحة قانونية تنال من هيبة القضاء المصري ومثل هذه الأحكام مجرد عبث تقول محكمة النقض في حكمها الصادر بتاريخ 28/2/2005م في الطعن 33533 لسنة 68 قضائية الدائرة الجنائية: من المقرر أن النقابات العامة هي من أشخاص القانون العام التي لا يجوز فرض الحراسة القضائية عليها، وهي لا تخضع في مباشرتها بنشاطها واختصاصاتها إلا لسلطان جمعياتها العمومية وما تسنُّه من لوائح وتُصدره من قراراتٍ، وهي مبادئ متفرعة عن الأصل المنصوص عليهم في المادة 56 من الدستور الدائم التي نصَّت فقراتها الأولي على أنَّ (إنشاء النقابات والاتحادات على أساسٍ ديمقراطي حقٌّ يكلفه القانون ويكون لها الشخصية الاعتبارية)، وكل نص أو تصرف من أي جهةٍ سواء كانت تشريعية أو قضائية أو تنفيذية يهدر هذا الحقَّ بحظره أو تقييده يقع منعدمًا لا أثرَ له.
وانتهت محكمة النقض إلى انعدام حكم الحراسة، بل قالت صراحةً: إن أي تشريعٍ أو قرار إداري يقيد حق أعضاء النقابة في إدارة شئونها هو بدوره منعدم.
الطامة الكبرى.. قانون ضمانات ديمقراطية التنظيمات النقابية
نصوص أحكام القضاء حاسمةٌ في أن معنى ديمقراطية العمل النقابي تُوجب أن تكون الجمعية العامة للنقابة هي الجهة الوحيدة التي تختار النقيب وأعضاء مجلس النقابة، وهي وحدها المختصة بسنِّ اللوائحِ وإصدار القرارات التي تُنظِّم هذه العملية وسائر أعمالها.
وكل تدخلٍ من جانب السلطة التشريعية أو القضائية أو التنفيذية في هذا العمل مخالفٌ للدستور ومنعدم قانونًا، والمتأمل لنصوص القانون 100 لسنة 1993م وتعديله 5 لسنة 1995م الذي اتخذ من ضمان ديمقراطية النقابات عنوانًا..!!! لن يجد له هدفًا إلا اغتيال الديمقراطية وغل يد الجمعية العمومية للنقابة في إدارة شئونها.
فالمادة الثانية من هذا القانون تشترط لصحةِ انتخاب النقيب وأعضاء مجلس النقابة تصويت نصف أعضاء النقابة المقيدة أسماؤهم في الجداول، فإذا لم يكتمل هذا العدد دُعيت الجمعية العامة إلى اجتماعٍ ثان ويصح الانتخاب في هذه الحالة بثلثِ عدد الأعضاء.
وتنص المادة الثالثة على أنه إذا لم يتم الانتخاب على هذا النحو يتولَّى اختصاصات مجلس النقابة العامة لجنةٌ برئاسة أقدم رؤساء محكمة استئناف القاهرة وعضوية أقدم أربعة أعضاء في المحكمة.
ويتولى إدارة النقابة الفرعية أقدم رئيس محكمة ابتدائية وبعضوية أربعة من أعضاء هذه المحكمة، وعليهم تكرار الدعوة إلى إجراء الانتخابات حتى يتحقق الشرط الوارد في صدر المادة الثانية بأن يتوافر هذا النصاب.
ويلاحظ على هذين النصين ما يلي:
أنه وضع نصابًا لصحة الانتخاب ليس له مثيل في أي بلدٍ من بلاد العالم، وليس له مثيلٌ في مصر، فانتخاب رئيس البلاد- الذي هو أهم من النقباء- لا يشترط لصحته تصويت عددٍ معينٍ من المواطنين، ورغم الحشد الإعلامي وطبقًا للأرقام الرسمية، ومع كل التيسيرات التي أُعطيت للتصويت لم يُصوِّت في الانتخابات الرئاسة الأخيرة إلا 23% من المقيدين في الجداول، ولقد كانت نسبة الحضور في انتخابات مجلس الشعب على مستوي الجمهورية سواء في سنة 2000م أو 2005م مثل ذلك، وإن انخفضت في بعض الدوائر إلى 5%، ومع ذلك صحَّ انتخاب مجلس الشعب بمجرد اشتراك هذه النسب المتدنية في التصويت، مع أنه حسب الدستور تفوق أهميةُ مجلس الشعب أهميةَ أعضاء النقابات المهنية، فإذا لاحظنا أن أعضاء بعض النقابات المهنية قد يجاوز المليون مثل المعلمين أو المهندسين، وبعضها يعدُّ بمئات الألوف مثل الأطباء والمحامين، ومنهم مَن يعمل في خارج البلاد أو يعمل في مناطق نائية، وأن الحضور للإدلاء بالصوت تحوطه صعوبات وعقبات عديدة، وليس ميسرًا كما هو الحال في التصويت في انتخاباتِ رئيس الجمهورية لاتضح أن المقصود هو مصادرة حق أعضاء النقابة في اختيار قياداتهم.
قد يكون من المقبول أن يشترط المشرع نصابًا معينًا لصحة الاجتماع الأول أو الثاني، وإنما ما لا يستقيم في أي منطقٍ أن يكون الجزاء هو حرمان الناخبين من حقِّهم في اختيار مَن يمثلونهم، وما علينا إلا أن نتصوَّر ورود مثل هذا الجزاء في انتخابات الرئاسة أو مجلس الشعب والشورى أو الانتخابات المحلية أو الحزبية أو الأندية الرياضية.
الاستخفاف بالقضاء ورجاله
على أن أسوأ ما هذا الاجتهاد أن تكون العقوبة التي تُصيب أعضاء النقابة أن تُسند إدارة النقابة إلى رجال القضاء لا يمكن لقاضٍ مستقيمِ الطبع أن يقبل على نفسه أن ُيفرَض على جماعةٍ على هذا النحو البغيض.
ولا أعرف أمةً استعملت قُضاتها في سلب حقوقِ المواطنين على هذا النحو.. كيف يمكن لقاضٍ أن يكون نقيبًا للأطباء أو المهندسين أو الموسيقيين أو المحامين؟!! وكيف وُجِدَ بين القضاة مَن استساغ أداء هذا الدور البغيض، واستمرأ أن يتحدث عن إنجازاته وعن تمسكه باختصاصاته المقيتة؟!!.
لا يلم القاضي بأصول المهنة التي أسند إليه هذا القانون مهمةَ تمثيل أعضائها والعمل على رفع مستوى الكفاية في أدائها، ولا يعرف الظروف والمشكلات التي تُحيط بالعاملين فيها، كما يفتقد العلاقة الوثيقة والحميمة التي تربط بين أعضاءِ مجلس إدارة النقابة ومَن اختاروهم، بل لم يألف القضاء أصلاً أن يكون عمل القاضي في مكانٍ له فيه علاقة واسعة بعمومِ الناس، ولو حدث مثل ذلك لكان هذا موجبًا لنقله، ولا يليق أن تكون علاقة القاضي بمَن يلجأ إليه علاقة الوكيل بمَن وكَّله.
فهل تدبَّر المشرع شيئًا من ذلك قبل أن يستعمل القضاةَ أداةً في حرمانِ المواطنين من حقِّهم في اختيار ممثليهم؟!! أليس في هذا استخفافٌ بالقضاةِ قبل أن يكون استخفافًا بالنقباء وبأعضاء مجالس إدارة النقابات ودورهم المنصوص عليه في الدستور؟!! في حين أن مصر كلها مدنية للنقابات المهنية بالمكانةِ التي بلغتها في زمانٍ مضى ثم أضعناها في يومنًا هذا.
خدعة الإشراف القضائي على الانتخابات
تنصُّ المادة السادسة من القانون 100 لسنة 1993م مُعدَّلة بالقانون 5 لسنة 1995م على إشراف لجنة على الانتخابات برئاسة رئيس المحكمة الابتدائية وعضوية أقدم أربعة أعضاء في المحكمة، وعلى أن تُشكَّل لجان الانتخابات الفرعية برئاسة أحد أعضاء الهيئات القضائية ويصدر قرار اختياره من وزير العدل.
ويعرف القضاةُ مقدارَ الخديعةِ في إسناد الإشراف على الانتخابات إليهم، إذا كانت الإدارةُ تُمارس الوصايةَ على شعبها وتستعلي على الاستجابة لإرادتهم، وفي الجمعية العامة لنادي القضاة المعقود بتاريخ 16/12/2005م رفض 3256 قاضيًا إسناد الإشراف على الانتخابات إلى القضاء في ظلِّ القواعد المعمول بها حاليًّا في مقابل 460 وافقوا، بينما وافق 4374 قاضيًا على الإشراف على الانتخابات إذا تمَّت الاستجابة الكاملة لطلباتهم وتم التصويت كتابةً.
ولا محلَّ لبيان كلِّ مطالب القضاة لتحقيق الإشراف الحقيقي على الانتخابات.
ومنها أن تكون رئاسة اللجان الفرعية مقصورة على القضاة الجالسين في الدوائر وإبعاد كلِّ المتصلين بوزارة العدل عنها، وعلى وجه الخصوص رؤساء المحاكم الابتدائية، وأن يكون اختيار رؤساء اللجان مقصورًا على الجمعيات العامة.
وأن يتم الفرزُ علنًا في مقر اللجنة تحت بصر الكافة مع إعطاء المرشحين ووكلائهم حق الاطلاع على كلِّ ورقةٍ من أوراق التصويت وإثبات اعتراضاتهم في محضر اللجنة، والقرار المسبب في كل شأنٍ على حدةٍ، على أن ينطق به رئيس اللجنة علنًا بحيث يسمعه الكافة.
وكل ذلك تحقيقًا لمبدأ المواجهة والعلانية؛ حرصًا على تثبيت الثقة العامة في القضاء ورجاله، وبناءً على ذلك وافق السيد وزير العدل رئيس اللجنة المشرفة على انتخابات مجلس الشعب في اللقاء المشترك مع مجلس إدارة نادي القضاة بتاريخ 23/11/2005م على ذلك، وأصدر بيانًا نُشِرَ في جميع الصحف القومية والحزبية والمستقلة في اليوم التالي.
ولا محلَّ لبيانِ كل ما لنا على النص من ملاحظاتٍ، وإنما نكتفي بالقول بأن رئاسة اللجنة المشرفة على الانتخابات هي لرئيس المحكمة الابتدائية، ومن المعروف أن وزيرَ العدل هو الذي يختار رؤساء المحاكم الابتدائية، وهو ما اعترض عليه القضاةُ منذ تعديل قانون السلطة القضائية فردَّت عليهم وزارة العدل في تقريرها بالقول (إن وظائفهم يغلب عليها الطابع الإداري والتنظيمي، وهو طابعٌ يتصل بإدارة العدالة، إلا أنه يباعد بينها وبين قضاء الحكم والتحقيق، ومن ثَمَّ فمن الملائم أن تكون لوزير العدل الكلمة الأخيرة في اختيار مَن يعاونونه على أداء مهامه)، وهكذا فإن رؤساء المحاكم الابتدائية هم في نظرِ المشرع نفسه من أعوان الوزير، ويجب أن يباعد بينهم وقضاة الحكم والتحقيق، ومع ذلك أسند إليهم المشرعُ رئاسةَ اللجنة.
والملحوظة الثانية: أن النص أسند رئاسة اللجان الفرعية إلى أعضاء الهيئات القضائية، ولم يشترط أن يكونوا من القضاة، في حين أن القضاة تمسكوا دائمًا بأن تكون رئاسة اللجان للقضاة العاملين في الدوائر دون سواهم.
والملحوظة الثالثة: أنه جعل اختيارهم بقرارٍ من وزير العدل، وهو من رجالِ السلطة التنفيذية، وقد دلَّت التجارب على أن قراراته في هذا الخصوص تكون بالتنسيق مع جهات الأمن.
والملحوظة الرابعة: أن النصَّ خلا من إثباتِ حقِّ المرشحين ووكلائهم والجمعية العامة التي تجري الانتخابات لحسابها من متابعة عملية الفرز، ومن تطبيق مبدأ المواجهة والعلانية الذي يحرص عليه القضاة في أداء أعمالهم، حتى إنهم طالبوا بتزويد قاعات الفرز بكاميراتٍ تليفزيونية وبإعلان نتيجة كل صندوق على حدة في مكبراتٍ للصوت وتسليم المرشحين ووكلائهم صورةً من محضر فرز كل صندوق.
والملحوظة الخامسة والأخيرة: أن الإشرافَ على الانتخابات عملية إدارية، فلا توجد نصوصٌ تُنظِّم عمل اللجنة وكيفية اتصال المرشحين بها، ولا كيفية احترام مبدأي المواجهة والعلانية، كما أن تشكيلها المعيب برئاسة رئيس المحكمة، ثم غل يدها عن اختيار رؤساء اللجان الفرعية أو استبدالهم بغيرهم عند الاعتراض.
كل ذلك يجعل القضاة الأربعة مجرد ساتر.. في حين أن الفعل الحقيقي هو لرئيس المحكمة ورؤساء اللجان الفرعية ومَن اختارهم، وهو وزير العدل، ولو شئنا الدقة لقلنا إن الفاعل الحقيقي هي أجهزة الأمن التي تتابع نشاط النقابات عن كثب، والتي فرضت على اللجان الفرعية في بعض النقابات أن تجري الانتخابات في مقار العمل ليسهل سيطرة الإدارة على إرادة الناخبين.
والمتابع للطعون التي حققتها محكمة النقض في الانتخابات العامة، وكذلك القضايا التي فصل فيها مجلس الدولة في الطعون على الانتخابات النقابية، بما في ذلك الحكم الصادر مؤخرًا ببطلان انتخابات نقابة المحامين، وما أُثير في شأنِ الانتخابات الخيرة لنقابة الصحفيين.. يعرف أن ما يُسمَّى بالإشرافِ القضائي على الانتخابات لا يحقق أية ضمانة، وإنما يُبدد الثقة العامة في القضاء ورجاله.
وبالتالي واحترامًا لتوصية الجمعية العامة لنادي القضاة بتاريخ 15/12/2005م إما أن يُعفَى القضاة من الإشراف على الانتخابات، أو أن يُستجاب لطلبهم فيصبح كاملاً وحقيقًا وفعالاً تحت رقابةٍ حقيقيةٍ وفعَّالةٍ من الناخبين.
خاتمة
يُدرك القضاة أن استقلال القضاء ليس امتيازًا لهم، وأن حرية الصحافة ليست امتيازًا للصحفيين، وكذلك حرية النقابات ليست امتيازًا لأعضائها، وإنما المقصود هو حماية حقوق كل فردٍ في هذا الوطن المبتلى بأبنائه، وحماية مصالح المواطنين وحرياتهم.
فالمصلحة الشخصية هي الدافع الأساسي لكلِّ فردٍ منا، ولكنا نُدرك أن الفردَ لا يستطيع العيش إلا في جماعةٍ.. تبدأ بأبٍ يرعى صغاره.. ثم تتسع للعشيرة، وزملاء المهنة يدعمها الفرد لكي تدعمه في مواجهةِ مَن هو أكبر.. حتى نصل إلى الوطن الذي يستوجب وجود حاكم وشرطة وجيش.. يدفع عنا غوائل الأعداء الخارجيين، وهو ما يقتضي أن يكون للحكومة قدرٌ من الصلاحياتِ بحيث تُدير الأمور لحساب الأفراد ولصالحهم، ولكن لا يستطيع الفرد الحدَّ من تغول الحكومة على حرياته إلا من خلال ضماناتٍ من أبرزها حقه في تكوين النقابات والأحزاب والجمعيات وانتمائه إلى أسرة وعشيرة.
فإذا ابتليت الأوطانُ بحكمٍ استبدادي أصابته شهوة البقاء في السلطة انقلبَ على مؤسسات بلده.. صانعة حضارتها وحامية الأفراد يُفككها.. فيحظر الأحزاب ويُضيِّق على النقابات والجمعيات والاتحاديات ليصبح كل فردٍ أمامه عاريًا وعاجزًا ينتظر إحسان الإدارة ولا يستطيع أن يدفع تسلطها أو يراقب انحرافاتها.
فالنقابات والجمعيات والاتحادات والأحزاب، بل ونادي القضاة ذاته ما هي إلا أدوات يحتمي بها أعضاؤها من عسف الإدارةِ أو يسعون من خلالها لأسماعها رأيهم ورعاية مصالحهم.
والمتأمل في أوضاع بلدنا يعرف مقدار ما أسهمت به مؤسساته بدءًا من الأزهر والجامعة والأحزاب والنقابات، بل ونادينا في صنع حضارته، ويعرف أيضًا مقدار ما أصاب هذه المؤسسات من تفكيكٍ حتى هانت بنا على جيرانها.. ولا سبيلَ لحمايةِ أي فردٍ منا ولا استعادة مصر مكانتها المفقودة بين الأمم، إلا من خلال إعادةِ بناء مؤسسات هذا البلد.
والصلاة والسلام على مَن علَّمنا أننا جميعًا أعضاء في جسدٍ واحدٍ، وأننا نستهم جميعًا في سفينةٍ واحدةٍ ما أكثر خروقها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والحمد لله رب العالمين.
----------
* نائب رئيس محكمة النقض