صاحَبَ مؤتمرَ الحزب الوطني الكثيرُ من الاتهامات المتبادلة بين الحكومة من جانب والمعارضة من جانب آخر، وتابعت التصريحات بين الجانبين، كأننا نشاهد مباراةً على الهواء مباشرةً بين فريقين متنافسين؛ الأول يملك كل شيء والآخر لا يملك سوى الصراخ، ومن هنا تعالت بعض الأصوات مطالِبةً بإجراء حوار شرعي بين الحزب الوطني والمعارضة من أجل وضع رؤية لمستقبل الدولة والشعب.
ولكن.. هل المعارضة على استعداد لإجراء هذا الحوار الآن أم أنها لن تقوى في الوقت الحالي على مواجهة حزب الأغلبية؟!
ولبيان مدى استعداد قوى المعارضة لإجراء هذا الحوار يمكننا وضع اختبار بسيط، وذلك بالإجابة عن بعض النقاط التي طرحها الحزب الوطني، وهي كالتالي:
النقطة الأولى: يكفي أن الحزب الوطني حافظ على سيادة الدولة واستقرارها طوال العقود الثلاثة الماضية، فهل أنتم قادرون على ذلك؟
النقطة الثانية: نحن حزب رجال الأعمال، ولكن.. متى تدخل الحزب الوطني لحماية رجال الأعمال؟! والنقطة الأهم والأخيرة: أي إصلاح تريدون؟!
لست من يملك الإجابة؛ فقد يملك كل واحد منا إجابةً تختلف عن الآخر، ولكني أبادر بطرح بعض التعليقات على هذه النقاط تمهيدًا لما قد يأتي لاحقًا.
أولاً: مع تقديري واحترامي لحكومة الحزب الوطني التي ظلت لأكثر من ثلاثة عقود تحتكر الساحة السياسية؛ فهي لم تستلم السلطة ونحن في حالة حرب فحكومة الحزب الوطني لم تستلم السلطة عام 56 أو 67 أو حتى 73، ولم تعرف معنى النكسة أو العدوان، ولم يكن ثمة ما يهدد سيادة الدولة واستقرارها، وإذا كنا قد تمتعنا في عهدهم بسيادة الأرض فقد فقدنا سيادة القرار وسيادة الموارد وحتى السيادة الاقتصادية والإقليمية.
ثانيًا: فيما يتعلق برجال الأعمال لم ينكر الحزب الوطني أنه حدث زواج بين المال والسلطة، ولكنه أنكر وجود تدخلات، وحينما نذكر أسماء مثل: ممدوح إسماعيل وهاني سرور وعماد الجلدة وهشام طلعت مصطفى وكثيرين غيرهم؛ سيجيب الحزب الوطني أنه بالطبع لم يتدخل لحماية هؤلاء ولكنه أيضًا لم يتدخل لمحاسبتهم، والدليل على ذلك أن عضويتهم بالحزب لم تتأثر بالأحكام أو الإجراءات التي اتُّخذت في حقهم، بالإضافة لذلك فقد شاهدنا الكثير من المحاولات التي قام بها الحزب لاحتواء أزمات أعضائه قبل تدخل النيابة والقضاء.
ثالثًا: فيما يتعلق بالإصلاح الذي نريد قد يكون نفس الإصلاح الذي ينشدونه، ولكن تختلف الأساليب، فالإصلاح الذي تنشده المعارضة إصلاح يشمل كافة المناحي؛ دستوريةً وسياسيةً واقتصاديةً وقضائيةً، على أن يكون هذا الإصلاح ملموسًا، فلا يكفي أن تتم انتخابات وتأتي بأغلبية، في حين أن الجميع يعلم أنها مزورة ولا يكفي أن نعلن عن زيادة النمو دون أن نوضح لغير المتخصصين كيف نقيس هذا النمو، وعلى من يعود هذا النمو، فالنمو الاقتصادي الذي يعلن لا يناسب مواردنا غير المحدودة ولا الطاقة البشرية التي نمتلكها.
ولكن المشكلة تكمن في العقبات التي تقف أمام طريق الإصلاح، ويمكن تلخيصها في كلمات بسيطة وهي الفساد والمحسوبية والعلاقة بين المال والسلطة، وقد قام الكثير من المفكرين بتقديم رؤى للإصلاح تتماشى مع أوضاع مجتمعنا، وتتفق مع توجهات الحكومة، ولكنَّ أحدًا لم يستجب لها ولم يتحملوا المشقة والعناء لقراءتها أو حتى مناقشتها مع أصحابها.
مع احترامي لمظاهر القوة والسيطرة التي ظهرت خلال المؤتمر والمتمثلة في إمكانيات الأعضاء وإمكانيات الدولة المسخرة لخدمة الحزب ومؤتمره، فهم ليسوا مطالبين بالاستمرار في إنكار المرشح القادم لرئاسة الجمهورية، والجميع يعلم من هو وكيف سيتولى الرئاسة، والجميع يعلم أيضًا مدى شعبية مرشح الحزب الوطني القادم.
لسنا نبحث عن دردشة، بل نبحث عن حوار بهدف الإصلاح، ولن نتنازل عن المشاركة في الحكم، فالناس- سواءٌ مجتمع مدني أو أحزاب سياسية أو حركات شعبية أو أصحاب رأي- لن يشعروا بالإصلاح دون أن تتاح لهم الفرصة؛ فهم يسعون للاشتراك الحقيقي في المنظومة السياسية، ونحن مصرُّون على أن ننادي بمشاركة حقيقية في شئون البلاد.
وحتى بافتراض أن عضوية الحزب أصبحت 3 ملايين فمن حق 77 مليون آخرين أن يختاروا الرئيس القادم لمصر.
---------------
* عضو المجلس المصري للشئون الخارجية asadat@link.net