محمد عودة

 

المضاربة لها معنيان: الأول بمعنى المراهنة؛ بأن تراهن على ارتفاع الأسعار أو انخفاضها وهذه هي المشكلة، والمعنى الثاني وهو المعروف في الفقه الإسلامي، ويعني اشتراك رأس المال والعمل في الإنتاج من أجل تحقيق الربح.

 

فالمعنى الأول هو أصل المشكلة التي يمر بها العالم اليوم؛ بأن صنع اقتصادًا ورقيًّا هشًّا (مع تسليمنا أن التقدم العلمي والتكنولوجي أعطاه شيئًا من الثبات) يبقى عرضةً للانهيار في أي لحظة؛ بسبب حدث سياسي أو اجتماعي أو طبيعي؛ في حين أنه لو كان اقتصادًا حقيقيًّا يقوم على قاعدة إنتاجية صلبة لما حدثت هذه الهزات الاقتصادية التي نراها بين الحين والآخر، بل إن شائعةً معينةً قد تدمر اقتصادًا؛ حيث يحدث هلع بين الناس فيسارعون إلى سحب أموالهم ونقض استثماراتهم، والحقيقة فيما حدث في العالم من أزمة مالية لها أسباب كثيرة تضرب بقوة في أعماق النظام الرأسمالي لتظهره على حقيقته الهشة الظالمة الفاجرة التي تعتمد على الظلم البيِّن.

 

وهذا ما أكده الرئيس الفرنسي ساركوزي حين قال "نحن بحاجة إلى نظام رأسمالي أكثر إنسانيةً.." ومن هذه الأسباب:

أولاً: النظام الرأسمالي جعل المال سلعة لها سوق عرض وطلب فترتفع الفائدة على المال إذا زاد الطلب وتقل الفائدة إذا انخفض الطلب (وليس هناك علاقة بين ما يحققه هذا المال من ربح أو خسارة ناتجة عن تشغيله في النشاط)، ولهذا السبب تحدث الدورات الاقتصادية؛ أي التقلب بين الرواج والكساد، فحينما يقل سعر الفائدة يزداد الطلب على الأموال، وتبدأ معها حالة من الرواج يستمر لفترة حتى يبدأ سعر الفائدة في الارتفاع؛ نتيجة زيادة الطلب إلى أن يصل إلى مستوى من الارتفاع ينخفض معه الطلب على الأموال لتبدأ مرحلةً من الكساد تستمر لفترة حتى يعود سعر الفائدة إلى الانخفاض.. وهكذا تتكرر الدورة بلا استقرار.

 

وهذا التقلب لا يحدث في ظل نظام يقوم على أن صاحب المال يحصل على الربح المتحقق فعلاً من ناتج النشاط وليس فائدة على المال؛ لأن المال في حد ذاته لا يولد مالاً، بل يتولد الربح من اشتراك المال والعمل في نشاط معين يتحقق منه المال.

 

هذه هي المضاربة التي يعرفها الإسلام والتي تحقق الاستقرار الحقيقي في الاقتصاد.. يقول الله تعلي ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: من الآية 279)، فحينما تدفع الفائدة على رأس المال إما أن تكون أعلى من الربح الحقيقي، وفي هذا ظلم لصاحب العمل، أو تكون الفائدة أقل من الربح الحقيقي وفي هذا ظلم لصاحب المال، والعدل كل العدل أن يحصل كلٌّ من صاحب المال وصاحب العمل على نصيبه مما تحقق من ربحٍ من النشاط.

 

ثانيًا: في ظل ضعف دور الدولة في النشاط الاقتصادي الرأسمالي يتغول دور أصحاب الأموال ويصبح هؤلاء هم المتحكمين في القرار الاقتصادي بل وفي القرار السياسي، ولسنا نبالغ إذا قلنا إنهم الذين يتحكَّمون في اختيار القيادة السياسية بما يملكون من أموالٍ ينفقون منها على الدعاية والإعلان لإنجاح مَن يُحقق مصالحهم.

 

فنرى من أصحاب رءوس الأموال مَن يضاربون في كل شيء؛ ففي سوق السلع يشترون السلع ليس من أجل استخدامها وإنما لإعادة بيعها بيعًا مستقبليًّا في نفس توقيت شرائها مما يصنع طلبًا وعرضًا غير حقيقي يضخِّم من حجم التعاملات التجارية على غير حقيقتها؛ لذا قال علماء الاقتصاد إن حجم التعاملات الورقية في العالم وصل إلى 12 تريليون دولار، بينما الحجم الحقيقي للتعاملات حوالي 4 تريليونات..

 

هذا الفارق الضخم في حجم التعاملات سوق وهمية صنعها المضاربون وهي التي تحدث انهيارًا في الأسواق عند حدوث أي هزةٍ مالية كما حدث الآن، بل إنهم يضاربون أيضًا في سوق العملات بأن يدخلوا مشترين وبائعين للعملات مما يُضخِّم من حجم الطلب والعرض على العملات على غير حقيقتها، وهي أيضًا سوق وهمية معرضة للانهيار في أي لحظة.

 

ثالثًا: إن المضاربين من أصحاب رءوس الأموال قد أفسدوا البورصة حين حوَّلوا رءوس أموال الشركات إلى سلعٍ تخضع للعرض والطلب، وقطعوا العلاقة بين سعر السهم في البورصة من جهةٍ وقوة المركز المالي للشركة وما توزعه من أرباحٍ على أسهمها من جهةٍ أخرى (وهي الأصل في تحديد سعر السهم)؛ وذلك حين يتقدمون في البورصة لشراء أسهمٍ معينة بكمياتٍ كبيرةٍ تصنع طلبًا عاليًا على هذه الأسهم، فيرتفع سعرها بطفراتٍ غير عادية، ويندفع صغار المتعاملين وراءهم للشراء لتزداد الأسعار ارتفاعًا حتى يصل إلى سعرٍ معيَّن.

 

عندها يبدأ هؤلاء المضاربون في طرح أسهمهم للبيع ليحصدوا أرباحًا طائلةً على حساب صغار المتعاملين؛ لأن الأسعار انخفضت بعد بيع الكبار أسهمهم، وهذا ما أفسد البورصة وحوَّلها إلى أشبه بسوق المقامرة؛ بأن جعل أرباح فئةٍ على حساب خسارةِ فئةٍ أخرى، وهو أشبه ببيع النجش الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال "ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانًا"، والنجش بمعنى دخول السوق ليس بغرض الشراء، وإنما لرفع الأسعار على الناس.

 

لذلك كان لزامًا على الدولة أن تضع من القواعد والنظم التي تمنع التعامل بهذه الصورة حتى تبقى البورصة سوقًا حقيقيةً للراغبين في استثمار أموالهم في أسهم الشركات وليس المضاربة عليها، فليس من الأخلاق الفاضلة أن تقبل أن يكون ربحك من خسارةِ الآخرين.

 

رابعًا: إن التنميةَ تقوم على المدخرات التي هي أساس التكوين الرأسمالي للشركات والمشروعات، والذي يتولى جمع المدخرات هي البنوك، فإذا تم توجيه هذه المدخرات إلى إنشاء أو تدعيم الشركات والمشروعات فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الإنتاج بالمجتمع ويفتح فرص عمل جديدة، وبالتالي زيادة القوة الشرائية؛ مما يحقق التنمية ويعطي للاقتصاد قوة، ولكن حين تؤخذ هذه المدخرات بحجمها الكبير وتوجَّه إلى الاستهلاك فهذا هو الخطأ الكبير؛ حيث إن المدخرات هي وقود الاستثمار فحين توجه إلى الاستهلاك أو لشراء العقارات فلا يترتب عليه أي قيمة مضافة للمجتمع، فضلاً عن أنه يؤدي إلى زيادة القوة الشرائية في يد الأفراد دون أن يقابلها زيادة في الإنتاج فترتفع الأسعار ويحدث التضخم.

 

والذي حدث في أمريكا أن البنوك توسَّعت في الإقراض الشخصي من سلعٍ استهلاكية وسيارات ووحدات سكنية وكروت ائتمان حتى صار المواطن يكاد يشتري كل شيء بالفيزا كارت ومع ازدياد التوسع في هذا الإقراض وخاصةً الوحدات السكنية ارتفعت أسعارها بطفراتٍ غير عادية، ومع توقف بعض المقترضين عن السداد تم سحب الوحدات منهم ليقوم البنك بعرضها للبيع سدادًا للمديونية بدأ مسلسل الهبوط السريع في الأسعار لتجد البنوك نفسها محققةً خسارةً تفوق ما يقرب من نصف قيمة كل وحدة يتم بيعها وفاءً لمديونية، ومع ازدياد الخسائر بدأ أصحاب الودائع طلب ودائعهم؛ مما أدَّى إلى عجزٍ كبيرٍ في السيولة التي تُلبي تلك الطلبات، والذي أدَّى إلى انهيارِ وإفلاس العديد من تلك البنوك.

 

إن استخدام المدخرات في هذه القروض الاستهلاكية هي تشجيع على الاستهلاك والتبذير بل قد يصل إلى السفه حين يجد الناس سهولة في الحصول على القرض، وبالتالي سهولة في الإنفاق غير الرشيد ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: من الآية 27).

 

وفي الختام نقول: إن الآفةَ التي عصفت بالاقتصاد العالمي وأحدثت الأزمة المالية هي آفة المضاربة بالمفهوم الغربي، والحل هو المضاربة ولكن بالمفهوم الإسلامي الذي يجعل مصدر الكسب هو الربح الحقيقي الناتج من تعاون رأس المال والعمل في مشروعات حقيقية نافعة للناس تتم دراستها دراسة جيدة في ظل مناخٍ يسوده الرحمة والتعاون وحب الخير للناس؛ فإن ذلك هو سبيل الإنتاج والتنمية والاستقرار وليكن شعارنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه"، والله الهادي إلى سواء السبيل.

----------------

** الأمين العام لنقابة التجاريين بالبحيرة