يستخدم البنك الدولي مصطلح "المجتمع المدني" للإشارة إلى مجموعة كبيرة من المنظمات غير الحكومية والمنظمات التي لا تهدف إلى الربح ولتلك المنظمات وجودٌ في الحياة العامة، وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استنادًا إلى اعتبارات أخلاقية، أو ثقافية، أو سياسية، أو علمية، أو دينية، أو خيرية.

 

ويشير مصطلح المجتمع المدني في أحد تعريفاته إلى: "مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة أي بين مؤسسات القرابة ومؤسسات الدولة التي لا مجال للاختيار في عضويتها".

 

أما الديمقراطية فإنها تشير وفق المدرسة السلوكية إلى التنافس والمشاركة والحرية المدنية الفاعلة، ووفق المدرسة البنيوية إلى نظم الانتخابات والمؤسسات السياسية اللائقة بنظام حزبي تعددي وتشريع وسلطة مستقلة، ويرتكز المفهوم على كل قيم أساسية، منها: تداول السلطة، التعددية، حكم القانون، المواطنة.

 

ويعد نشر "ثقافة الديمقراطية" من أهم مهام منظمات المجتمع المدني التي تسعى إلى تطوير ثقافة شعبية لدى المواطنين تقوم على إعلاء الجهود الذاتية والمبادرات الطوعية في صياغة تنظيمية خلاقة تؤدي إلى الارتقاء بالوعي السياسي وبالثقافة السياسية بما يدفع الناس إلى المشاركة الجادة سواء مدنيًّا أو سياسيًّا.

 

وبالنظر إلى أداء المجتمع المدني المصري والعربي نجد أنه يكافح من أجل توفير الحد الأدنى من (الكفاف الإنساني) للمواطن العربي (المهدورة كرامته وربما قيمته الإنسانية ذاتها) ورغم ما اكتسبه من أرض جديدة وانتزاعه شرعية وجوده فما زال أمامه شوط طويل لتحقيق وظائفه التي تعزز ثقافة الديمقراطية.

 

ولعل من أول هذه الوظائف ما يتعلق بإشاعة ثقافة المشاركة والعمل الطوعي التي تكرِّس قبول الاختلاف والتنوع بين الفرد والآخرين، وإدارة الخلاف بوسائل سلمية في ضوء قيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي مع الالتزام بالمحاسبة العامة والشفافية وما يترتب على هذا كله من تأكيد قيم المبادرة الذاتية وثقافة بناء المؤسسات.

 

وإذا كان من المفترض أن توفر منظمات المجتمع المدني قناةً للمشاركة فإن المؤشرات تؤكد أن كثيرًا من المنظمات الأهلية لا تجرى فيها الانتخابات وتدار بطريقة فردية احترافية مما يعكس نزوعًا نحو النفوذ والاستحواذ!، إضافةً إلى أن الواقع يشير إلى غياب التشبيك بين تلك المنظمات بمعنى تعبئة مواردها لتحقيق هدف مشترك حتى ولو كان بسيطًا.

 

ومن الوظائف الأخرى المتعلقة بثقافة الديمقراطية أيضًا، التنشئة الاجتماعية والسياسية وإفراز قيادات وكوادر جديدة من خلال الإسهام في عملية بناء المجتمع وغرس قيم ومبادئ الانتماء في نفوس المواطنين واكتشاف قدرات الأشخاص من خلال النشاط الجماعي وتوفير سبل الممارسة القيادية من خلال المسئوليات التي توكل إليهم وتقديم الخبرة الضرورية لممارسة هذه المسئولية.

 

وعند البحث في أسباب الخلل في الأداء نجد أن هناك عوامل موضوعية تتمثل بالأساس في تدخلات قوى ومنظمات دولية تحت شعار إحلال الديمقراطية وتعزيز المؤسسات الديمقراطية وحكم القانون وحرية التعبير وتدعيم الإعلام المستقل... إلخ، لكنها لم تثبت مصداقيتها بشأن بناء الديمقراطية ونشر ثقافتها؛ حيث تستغل ذلك إما للضغط على الأنظمة السياسية لتقديم تنازلات معينة أو لتغيير هوية المجتمعات العربية.

 

لكن ينبغي الاعتراف أن ذلك الأداء لا يرجع فقط إلى تأثير المتغير الخارجي وبعض السياسات الحكومية؛ حيث توجد بعض المعوقات داخل مؤسسات المجتمع المدني نفسها مثل: واقع الديمقراطية الداخلية، والفلسفة الحاكمة للعمل الأهلي التي تبدو حتى الآن قاصرة إلى حد كبير على الدور الخيري والخدمي فقط.

 

ويمكن القول إن منظمات المجتمع المدني العربي يسودها توجهات ثلاث: الأول: انتهى إلى اعتبار أن المعطى الخارجي يمثل الورقة الأهم في معادلة تغيير الداخل وبالتالي فإن لديه نزعة هروب إلى هذا الخارج. الثاني: يقطع أي رجاء في الديمقراطية وتحقيق العدل ويرفض في الوقت نفسه الأجندة الخارجية فتتغذى لديه مشاعر الكبت الذي يمثل التربة الصالحة للجمود والسلبية وربما الميول الانتحارية سواء عن طريق الإرهاب أو الهجرة غير المشروعة!. أما الثالث فيمثل تيارًا متعدد الأطياف من مختلف المعتقدات والتوجهات الفكرية ويجتهد أصحابه في نشر قيم المواطنة والتسامح والمشاركة.

 

وبناء عليه فإن: إشاعة الديمقراطية داخل منظمات المجتمع المدني يعد خطوة أولية في عملية بناء الديمقراطية في الوطن ككل على اعتبار أن احتكار بعض النخب للعمل ليس من الديمقراطية في شيء، وأن المناضل من أجل الديمقراطية يجب عليه ممارستها في كل مكان وحين.

 

كما أن الاتفاق على أجندة عمل فيما يتعلق بنشر ثقافة الديمقراطية يؤدي إلى مردود يمكن قياسه والبناء عليه ومن عناصر هذه الأجندة: التسامح الديني والسياسي والفكري، الدفاع عن الحريات العامة والحقوق الاجتماعية والاقتصادية، بلورة اجتهادات فكرية لتحقيق التنمية الاقتصادية والعدل الاجتماعي، الحوار والتعاون مع الحكومات من أجل صياغة سياسات تحقق التنمية والأمن لجميع المواطنين.

-------------------

** صحفي وباحث مصري مقيم بالخارج