في ذكرى وعد بلفور المشئوم الحادية والتسعين التي تُظلِّلنا هذه لأيام، يجدر بنا أن نتذكَّر أصل القضية الفلسطينية بعد المتاهات التي أوصلتنا إليها النظم والحكومات العربية، والتي انفصلت عن تمثيل شعوبها أو التعبير عن أمانيها وأحلامها، فضلاً من تحقيق الحد الأدنى من العيش الكريم لها.
ولماذا نتذكر الآن أصل القضية؟.. لأننا نعيش مرحلةً حرجةً يريد البعض منا- من بني جلدتنا- من قادة الشعب الفلسطيني المُبتَلى بهم أن يسلم للعدو الصهيوني بأكثر من أحلامه وأمانيه، وأن يسوِّق الوهم لنا نحن.
ولأننا مُقبلِون على حوار المصارحة والمصالحة بين الفصائل الفلسطينية، والذي تحتضنه القاهرة، وتريد أن تُمليَ فيه (كما يروِّج فريق رام الله في منظمة فتح) أجندةً إلزاميةً على ممثلي الشعب الفلسطيني، ويبدو فيه النظام المصري منقسمًا على نفسه بين تصريحات أبو الغيط المستفزِّة لحركة حماس وللشعب الفلسطيني في غزة، وجهود عمر سليمان الحثيثة للتقريب بين وجهات النظر والوقوف على الحياد.
وفي هذا الصدد يبدو الموقف المصري مريبًا؛ فقد يفقد آخر أوراقه الإقليمية إن استمرَّ على هذا التصعيد ضد حماس في الإعلام، والاستمرار في حصار غزة وتجويع أهلها بمنع كل صور التضامن معها؛ ففي الوقت الذي تصل فيه سفينة الأمل لتكسر الحصار الظالم على غزة، وعليها هذه المرة عربٌ وفلسطينيون من الضفة والشتات، تمنع أجهزة الأمن المصرية، بالقوة والاعتقال والتعذيب، عشرات ومئات المصريين المسالمين الذين يريدون كسر الحصار سلمًا من خلال التوجه إلى رفح المصرية، فهل يريد النظام من القوى الوطنية أن تكرِّر تجربتها مع الفلسطينيين فتذهب على المراكب والسفن إلى غزة من خلال المياه الوطنية، وإن تعذَّر ذلك عليها فلتذهب إلى قبرص لتكون الفضيحة المصرية مدويةً بين الأمم والشعوب؟!!
وعندما يصل الأمر بالرئيس المصري إلى أن يصرِّح بأن الجهود المصرية لإطلاق سراح الجندي الصهيوني "شاليط" مستمرة ولكنها ستتأخر بسبب الانتخابات الصهيونية، ثم يقوم الإعلام المصري بتعديلات على التصريح ليكون: إن الجهود المصرية لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين ستتأخر، ويطمئن الرئيس أسرة "شاليط" بأنها ستتلقى عن طريق مصر رسالة من ابنها الأسير؛ وذلك بعد أن سبق وسيط فرنس بتسليم رسالة من الجندي توضِّح أن الجهود الصهيونية والفلسطينية قد بدأت بالفعل في البحث عن وسيط جاد ومحايد وحريص على إطلاق سراح الأسرى جميعًا؛ فهذا يدل على مدى التخبط الذي وصلت إليه السياسة المصرية في ملفٍّ إستراتيجي هو آخر ما يملكه النظام بعد أن تبخَّرت بقية الملفات من بين يديه؛ من العراق التي أصبحت في الحوزة الإيرانية والتركية، ودارفور بالسودان التي لم يعد لنا فيها تأثير يذكر، ودخلت قطر على الخط، ولبنان التي وصلت فيها فضائحنا إلى استقبال القاتلين المُدانين، ونُحجِم عن الاتصال بالمقاومين الشرفاء، وغيرها من الملفات الخطيرة.
هذا في الوقت الذي أدرك فيه الأردن (ملكًا وحكومةً واستخباراتٍ) خطورة الانقطاع عن الاتصال بحركة حماس، وبدأ الدفء يدب في العلاقات، وانعكس ذلك على تخفيف التوتر مع الحركة الإسلامية الأردنية.
فهل يكون الموقف العصبي والعنيف والاستئصالي ضد الإخوان المسلمين سببًا في كل ذلك الاضطراب في ملفٍّ بخطورة الملف الفلسطيني والوقوف ضد إطماع العدد الصهيوني؟ وهل يصل الأمر إلى معاداة أهل الوطن والبلاد من أجل علاقات متميزة منبطحة مع العدو الصهيوني؟ ولأي هدف يكون ذلك؟ أمن أجل التوريث والانتقال الآمن للسلطة الذي يدرك البعض صعوبته أو استحالته بسبب الرفض الشعبي المتواصل والمتصاعد ضده؟
ونتذكر معًا أصل القضية الفلسطينية مع تعاظم المخاطر التي تحيق بالمسجد الأقصى الشريف الذي تركناه- ويا للأسف- لفلسطينيي الأرض المحتلة عام 1948م بقيادة شيخ الأقصى "رائد صلاح" الذي يطارده العدو ويغلق مؤسساته لحماية الأقصى ويمنع رحلاته الأسبوعية للصلاة في الحرم المقدسي، ويخطط لإقامة الكنس اليهودية في قلب الحرم وأسفله، ويصادر المقابر الإسلامية التاريخية ليسلمها للجمعيات الصهيونية المتطرفة.
ونعيش معًا أصل القضية مع تنامي الروح العنصرية الصهيونية والتطرف اليهودي الذي لا يهاجمه أحد ولا يتصدى له أحد، ضد أهلنا في الأرض المحتلة في عكا، والذي سينتقل إلى حيفا ويافا وعقلان وغيرها بذرائع واهية، مثل انتهاك حرمة السبت، بينما ينتهك المتطرفون اليهود حرمة الأقصى وحرمة الحرم الخليلي بالخليل، وحرمة الدماء الفلسطينية والعربية، ويقتلون الأطفال ويحرقون المزارع ويمنعون المزارعين الفلسطينيين في الضفة الغربية من جَنْي محصول الزيتون؛ مما يهدد بتهجير قسري جديد (ترانسفير) في إطار الخطط التي يتبنَّاها محمود عباس وفريقه المفاوض الذي يعيش "الحياة مفاوضات" لتبادل الأراضي وتبادل السكان.
إن أصل القضية بدأ مع وعد بلفور الذي حقَّق أحلام الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود الذين عانوا في أوروبا من تعصب المسيحيين الغربيين، وكانت البدائل أمام الحركة الصهيونية عديدة؛ من الأرجنتين، إلى أوغندا، إلى فلسطين، لكن للبعد الديني والبعد الاستعماري والبعد الوظيفي الذي أرادته الدولة الاستعمارية في ذلك الوقت، اختارت فلسطين لتكون أسطورة "أرض الميعاد" و"لن أنساك يا أورشليم" هي المحفِّز لهجرة آلاف اليهود من غير الصهاينة، وتلاقت أهداف الحركة الصهيونية مع أهداف الحركة الاستعمارية لتستوليَ على أرض فلسطين وتشرِّد شعبها تحت وهم "أرض بلا شعب لشعب بلا وطن"، في الوقت الذي لم يَقُمْ فيه العرب والمسلمون والمسيحيون الشرقيون بأي اضطهاد ضد اليهود، بل تعاملوا معهم بتسامح كما يأمرهم الإسلام والمسيحية.
![]() |
|
آرثر بلفور |
وكان ضحية المؤامرة الخبيثة الإمبراطورية العثمانية، وتقسيم الوطن العربي وتسليم الحكم لنخب متغربة معزولة منفصلة عن شعوبها وحضارتها وتراثها، ثم تعويق أية مسيرة ديمقراطية بانقلابات عسكرية ونظم ثورية اشتراكية فشلت في تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، وعندما أدركت الشعوب العربية والشعب الفلسطيني أن الإسلام هو الحل، وأن ذلك يبدأ بإدراك أصل القضية وتحرير الإرادة العربية والإسلامية وإسقاط وَهْم التغريب والتحديث والنهضة على النمط الغربي الأوروبي أو الأمريكي، كانت المؤامرات المتواصلة ضد الحريات العامة وضد الانتخابات الحرة وضد الحركة الإسلامية، واستدراج فصائل منها للتطرف والغلو والعنف وإلصاق ذلك الاتهام الظالم بكل المسلمين ووصف الإسلام نفسه بالإرهاب.
وبدأت الحرب على الإرهاب، واستمرَّت طوال 7 سنوات عجاف، وقد آذنت بانتهاءٍ وفشلٍ، وها نحن نرى طالبان تسيطر على ثلثي أفغانستان وبوش الابن يغادر البيت الأبيض مُكلَّلاً بالفشل، ويتهيَّأ البيت لأول رئيس أسود في التاريخ الأمريكي الذي لا ندري هل ينجح وهل يمر وهل يستطيع تغيير أمريكا لتعود إلى الاتزان بعد حقبة التعصب والعنصرية والأصولية المسيحية التي بدأت مع ريجان، ووصلت ذروتها مع بوش الابن.
لنتذكَّر أصل القضية لنعرف ثوابت المطالب الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فلا نفرِّط فيها، بينما يصل إدراك العدو إلى استحالة إقامة مشروع الصهيوني على أرض فلسطين، وعندما يخرج العدو من غزة ثم يدرك استحالة السيطرة على الضفة الغربية فنحن أمام متحولات تاريخية لا يجوز معها التفريط في الحقوق الفلسطينية على يد نظمٍ لا تمثِّل شعوبها ولا تملك التنازل عن الحق الثابت.
لئن انهزمت النظم والحكومات أمام الأعداء؛ وذلك بسبب الهزيمة النفسية أساسًا، ودخلت في محاورة لخدمة مخططات العدو الصهيوني، فإن الشعوب ما زالت حيةً وتفيض بالمقاومين والشهداء، وسنبقى ندرِّس لأولادنا وأحفادنا أصل القضية.
فواصل
سوريا تتلقَّى الضربات ولا ردَّ عسكريًّا:
الصمت العربي يلفُّ الجميع، وسوريا تكاد تخرج من عزلتها، ونفوذُها في لبنان يعود بأسرع مما توقَّع البعض؛ ولذلك تتلقَّى الضربات الاستفزازية ولا تردُّ عليها عسكريًّا.
المهم أن يدرك النظام السوري أن قوته هي في إطلاق الحريات لشعبه؛ ولذلك كان من الغريب أن يتزامن الهجوم الأخير على البوكمال مع صدور أحكام بالسَّجن على النشطاء الديمقراطيين.
المحبُّون لسوريا يريدون لها الخير، ولا خير مع كبت الحريات وهجرة العقول وبقاء الخصومة مع معظم التيارات السياسية والإسلامية.
الانتخابات الأمريكية غدًا:
في تصويتٍ تكتمل به الانفرادات الأمريكية في هذه الانتخابات، هل يختار الأمريكيون- بعيدًا عن العنصرية والأصولية- رئيسًا أسود ليدخل البيت الأبيض؟
هذه انتخابات تاريخية، والسؤال الأصعب: هل يستطيع رئيس مُلوَّن ديمقراطي أن يغيِّر ويحكم بلدًا محافظًا يمينيًّا؟ هذا ليس سؤالي، ولكنه سؤال جون ميشام في الـ(نيوزويك) الأخيرة في مقالٍ حمل العناوين التالية:
- ليس سهلاً أن تكون ديمقراطيًّا.
- أمريكا لا تزال الدولة في يمين الوسط، وإذا نسي أوباما ذلك حال فوزه فسوف يتحمَّل العواقب.
- الرؤساء الديمقراطيون ينتقلون إلى اليمين أكثر مما يتوقعون، أو يدفعون الثمن في صناديق الاقتراع.
![]() |
|
باراك أوباما وجون ماكين |
بينما يرى جوناثان ألتر في وجهة نظر معاكسة بنفس العدد من المجلة أن أمريكا تتجه نحو اليسار من جديد، وبتحرُّك أوباما نحو اليسار الذكي يكون قد نجح في إعادة كتابة العقد الاجتماعي.
فهل يقدر؟ وهل يستطيع؟ وهل يستمر؟.. إنه رئيس مرشح للموت والاغتيال.
الحزب الوطني ومؤتمره:
كتبتُ مع أول مؤتمرٍ للحزب الوطني في ظل ما يسمَّى بالفكر الجديد أقول إن إصلاح الحياة الحزبية والسياسية في مصر يبدأ بإصلاح الحزب الوطني.
وها نحن نشهد مع المؤتمر الخامس لدهاقنة الفكر الجديد الانسدادَ السياسيَّ وموتَ السياسة والإجهازَ على الانتخابات شبه النزيهة، والعداءَ للقضاء المستقل، واستمرارَ حالة الطوارئ ومحاولةَ تقنينها لتصبح طبيعيةً والابتعادَ عن هموم الناس والشعب.. إلخ.
إذن لقد قضى هؤلاء على أي أمل في إصلاح الحياة الحزبية السياسية، خاصةً بعد الإجهاز على كل أحزاب المعارضة الرسمية بتفجيرها من الداخل أو تجميدها أو تشرذمها أو توالدها كالفطريات دون أي أثر يذكر لها.
وقفة مع آية؟:
استوقفتني آية في وردي من سورة الجاثية ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28)، وسألت نفسي: هل تُحاسَب الأمة مُجتمعةً كما يحاسب الله الأفراد؟ كيف الجمع بين هذه الآية وبين الآية الأخرى ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 95) وهل تتم محاسبة الفرد مرتين؟ مرةً بصورة شخصية ومرةً على جهده الجماعي للإصلاح والتغيير؟
الله أعلم، فلنعد إلى أقوال المفسرين، وهذا مفتوح للحوار!!.
مع حكم ابن عطاء الله السكندري:
من علامات اتباع الهوى المسارعة إلى نوافل الخيرات والتكاسل عن القيام بحقوق الواجبات، أليس ذلك وصفًا صادقًا لحالة التدين والمتدينين في عصرنا الحاضر؟!
خبر وتعليق:
الكنيسة الكاثوليكية قرَّرت إجراء اختبارات جنسية للمتقدمين لوظائف قساوسة بعد الفضائح الجنسية مع الأطفال، والتي أرهقت ميزانية الكنيسة بتعويضاتٍ كبيرةٍ.
المطلوب أن يمتلك القساوسة شخصية جنسية ذكورية إيجابية مستقرة، بمعنى الابتعاد عن الذين تتشكَّك الكنيسة في صفتهم الجنسية أو العاطفيين جدًّا أو الذين يعجزون عن حياة العزوبية.
ويتساءل المراقبون: هل يكفي ذلك لإنقاذ سمعة الكنيسة الكاثوليكية بعد الفضائح المتكررة؟!
سبحان الله العظيم.. الابتعاد عن الفطرة يؤدي إلى الكثير من المشاكل، والرهبنة وحياة العزوبة ليست فقط متصادمةً مع الفطرة، ولكنها أدت إلى انصراف المسيحيين في الغرب عن الكنيسة الكاثوليكية، وأدى في العصور الوسطى في الانشقاق الكبير وظهور الكنيسة الإنجيلية البروتستانتية.
الكنيسة الأرثوذكسية المصرية تفصل بين وظيفة القسس والخدم في الكنائس الذين يُسمَح لهم بالزواج والرهبان المنقطعين عن الحياة في الأديرة والصوامع والقلايات.
ألم تأنِ عودة الشيخ الضرير المسن المريض د. عمر عبد الرحمن؟!
منتهى القسوة والغلظة ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاً وَلا ذِمَّةً﴾ (التوبة: من الآية 10).
ماذا تريد أمريكا من الدكتور الشيخ عمر عبد الرحمن وهو في هذه السن المتقدمة وفي هذه الحالة الصحية البائسة؟! ولماذا لا تتقدَّم الحكومة المصرية بطلب رسمي لعودة الشيخ إلى الوطن؟! ألم يَئِن الأوان لعودته حتى يقضيَ أيامه الأخيرة في مصر؟! أليس ذلك موسم عودة الطيور المهاجرة؟! أم أن العودة فقط لمن يرغبون في التخلص منهم بالسجن أو الإعدام؟! أما هذا الشيخ المسن الضرير المريض فله الله أولاً وآخرًا.
أين منظمات حقوق الإنسان لتتبنَّى قضية عودة الشيخ؟!
مع رحيل بوش وإدارته وغالبية الجمهوريين في الكونجرس:
سيحتاج العالم إلى مراجعةٍ دقيقةٍ لكل سياسات بوش تحت ذريعة الحرب على الإرهاب من فرض قائمة بممولي الإرهاب وقائمة أخرى للدول الراعية للإرهاب والقيود التي تم فرضها على المواطنين الأمريكيين، خاصةً المسلمين والعرب ومراقبتهم.
لقد بدأ بالفعل؛ فقد كتبت صحيفة الـ(ديلي تليجراف) اليمينية الموالية للعدو الصهيوني في بريطانيا تنتقد قائمة ممولي الإرهاب، والتي تسببت في مطاردة أموال الكثيرين؛ أشهرهم :بن محفوظ: في السعودية، والذي استطاع الإفلات بنقوده، ومنهم يوسف ندا الذي ما زال يعاني الحصار والتضييق ولا يجد ما ينفقه، بل لا يستطيع السفر، رغم أنه أثبت زيف الأدلة ضده.
هل نشهد عالمًا جديدًا بعيدًا عن سيطرة الأصوليين المسيحيين والمحافظين الجدد وتحالفهم مع العدو الصهيوني؟
فرقٌ مهمٌّ بين الحكم في الفروع الفقهية ونفس الحكم في كتب الأصول:
قال النووي رحمه الله في المجموع شرح المهذب، جزء 3، ص5: "اتفق أصحابنا في كتب الفروع أن الكافر الأصلي لا يجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها من فروع الإسلام، فأما في كتب الأصول أصول الأحكام، أي أصول الفقه فقال جمهورهم: هو مخاطب بالفروع كما هو مخاطب بأصل الإيمان، وقيل لا يخاطب بالفروع، وقيل يخاطب بالمنهي عنه، كتحريم الزنا والخمر وأشباههما، والصحيح الأول، أي إنه مخاطب بالفروع".
ثم بيَّن وأوضح الفرق فقال: "وهو ليس مخالفًا لقولهم في الفروع؛ لأن المراد هنا غير المراد هناك؛ فمرادهم في كتب الفروع أنهم لا يطالبون في الدنيا مع كفرهم، وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة.
ومرادهم في كتب الأصول أنهم يُعذَّبون عليها في الآخرة زيادةً على عذاب الكفر فيعذبون عليها وعلى الكفر جميعًا لا على الكفر وحده، ولم يتعرَّضوا للمطالبة في الدنيا، فذكروا في الأصول حكم أحد الطرفين، وفي الفروع حكم الطرف الآخر"، فتأمل أخي الفرق بين الأمرين.
إلا أنه يرد سؤال: إذا قالوا في كتب الفروع أنهم لن يتعرَّضوا لعقوبة الآخرة فكيف يقولون في كتب الفصول أن عذابهم يزداد بسبب تركها.
وعندما ذكر الله زيادة العذاب للكافرين كان ذلك بسبب فسادهم كما في صورة النحل ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ العَذَابِ﴾ (النحل: من الآية 88) صدق الله العظيم.

