قامت القوات الأمريكية في العراق بغارة على قرية حدودية سورية صباح يوم 27 أكتوبر 2008، وراح ضحية الغارة ثمانية شهداء وعدد من الجرحى، من الواضح أن هذه الغارة المفاجئة كان مخططًا لها؛ حيث أعلنت واشنطن والحكومة العراقية أن هذه الغارة استهدفت مواقع للمتسلِّلين عبر الحدود إلى داخل العراق مما تسميهم بغداد وواشنطن بالإرهابيين.
هكذا تعتبر بغداد وواشنطن أن هذا العمل داخل الأراضي السورية يستمد مشروعيته من أنه يهدف إلى منع تسلُّل عناصر معادية لبغداد وواشنطن انطلاقًا من الأراضي السورية، ونظرًا لأن هذا العمل جاء فجائيًّا وضرب قريةً ريفيةً آمنةً، وأفزع أهلها؛ فقد أربك هذا العمل المراقبين في تفسير دلالته، ونحن نعتقد أن العمل الأمريكي ابتداءً عدوانٌ مسلَّحٌ؛ قام به الاحتلال من دولة عربية مجاورة لا تملك حكومتها من أمرها شيئًا، ولكنها مضطرة إلى التمشِّي مع الموقف الأمريكي وعدم الفكاك منه.
ويمكن تفسير دلالات هذه الغارة في عدد من الأُطر التي تساعد على تقديم تفسير واقعي لها، مع التأكيد على أنها انتهاكٌ لميثاق الأمم المتحدة، وأن التبرير الذي قدّم بشأنها لا ينهض في مواجهة خطورة هذا الانتهاك الذي دأبت عليها الولايات المتحدة؛ انطلاقًا من مذهب الرئيس بوش في عدم احترام أحكام القانون الدولي، ولذلك فإن هذا العمل يجب مواجهته بعدد من الإجراءات سوف نفصِّلها في نهاية هذه المقالة.
الإطار الأول: أن هذه الغارة تمت في الوقت الذي يشتدُّ فيه الجدل حول الاتفاقية الأمنية التي تريد واشنطن فرضَها على العراق، وقد أعلن وزير خارجية سوريا تعقيبًا على الغارة أنها تعتبر أول تطبيق لهذه الاتفاقية، وهو استخدام القوات الأمريكية الأراضيَ العراقيةَ لضرب أهداف في دول مجاورة.
والحق أن الاتفاقية الأمنية يجب رفضُها مهما كان الثمن؛ لأنها تمثل المرحلة الثانية من الاحتلال ومصادرة الأراضي العراقية وتحايلاً على النظام السياسي المطلوب في العراق، كما أن المشروع يتضمَّن عددًا كبيرًا من المحاذير والأوهام القانونية.
الإطار الثاني: أن الصراع بين إيران والولايات المتحدة يسيطر على الساحة العراقية؛ حيث تتمنَّى طهران زوال الاحتلال الأمريكي لصالحها، كما تتمنى الولايات المتحدة ألا تترك الساحة للهيمنة الإيرانية، وبين الفريقين ينقسم العراقيون ويتفرَّج العالم العربي؛ ولذلك فإن هذه الغارة قد يكون لها صلة بهذا الصراع، خاصةً أن سوريا أكبر حلفاء إيران في المنطقة، وربما أرادت واشنطن أن تختبر ردَّ الفعل الإيراني في نطاق التحرُّش الأمريكي العسكري والدبلوماسي بطهران، ورغم هذا التحرش إلا أن الصحف الصهيونية نشرت يوم 26/10/2008م أن الرئيس بوش يعتزم الإعلان عن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع طهران قبيل انتهاء ولايته.
الإطار الثالث: حالة الترقُّب التي لا تزال قائمةً عند المراقبين من الخشية من توجيه ضربة عسكرية أمريكية صهيونية إلى إيران خلال مرحلة التربُّص السياسي، وهي تلك التي تفصل بين الانتخابات الأمريكية وتسليم الإدارة الجديدة السلطة، ورغم أن الرئيس القائم يكون عادةً كالبطة العرجاء في التعبير الدارج؛ إلا أنه يتمتع بكامل الصلاحيات الدستورية من الناحية الفنية، وليس هناك ما يمنع دستوريًّا من أن يقوم الرئيس بوش بذلك.
الإطار الرابع: منهج العبثية الذي اتسمت به الإدارة الأمريكية في عهد بوش، والذي ينطوي على عدم الشعور بالمسئولية والتناقض في التصريحات الأمريكية؛ حيث تشهد العلاقات السورية الأوروبية والصهيونية انفتاحًا غير مسبوق؛ حيث تعمل سوريا بكل الطرق على تطبيع علاقاتها مع واشنطن وتجاوز كافة التجاوزات الأمريكية ضدها، وكان آخرها احتجاز اثنين من الأمريكيين في الأسبوع الأول من أكتوبر 2008م بتهمة التسلل غير المشروع، وقد أفادت بعض التقارير أنهما يعملان في المخابرات الأمريكية، وربما يتصل ذلك بعدد من الأحداث الخطيرة التي شهدتها دمشق؛ مثل التفجير الذي حدث في طريق المطار، واغتيال عماد مغنية، وصدام قوات الأمن السورية مع مجموعات إرهابية من حين إلى آخر.
الإطار الخامس: الإطار الأمني.. حيث انتقد عدد من الكتاب الأمريكيين الموقف الأمريكي بأن واشنطن لم تتجاوب مع الدعوة السورية للاشتراك والتعاون في ضبط الحدود، وبعد أن أعلنت سوريا عدة مرات أنها لا تستطيع وحدها التحكم في هذه الحدود الواسعة، ولذلك فإن ضرب سوريا عمل أحمق ليس له سياق مقبول.
وإذا كانت سوريا على هذا النحو من الانفتاح والرغبة في التفهُّم؛ فإن التفسير الأقرب إلى الواقع هو أن واشنطن تواجه مأزقًا خطيرًا في العراق، وأنها أفلست عسكريًّا وسياسيًّا، ولم يبقَ أمامها سوى تمزيق الروابط المحدودة بين بغداد ودمشق؛ والتي كانت سوريا تأمل في تطويرها، خاصةً بعد وصول أول سفير سوري بعد الاحتلال قبل الغارة بأيام قليلة.
ولا شك أن هذه الغارة- على ما تتضمَّنه من جرائم ضد المدنيين السوريين- لا تحتاج إلى تحقيق؛ على عكس ما طالب به وزير الخارجية السوري، ولكنها تحتاج إلى محاسبة واشنطن ومطالبتها بالاعتذار والتعويض؛ لأن سوريا فيما يبدو ليس من مصلحتها أن تُنتهك حدودها مع العراق، خاصةً أن سوريا تحمَّلت الكثير من الأعباء بسبب الغزو الأمريكي للعراق، وإذا كانت سوريا تشجِّع الفدائيين فعلاً لدعم المقاومة فهذه شهادة فخار لسوريا لا شك أن واشنطن تضنُّ عليها بها.
وفي الحالين فإن سوريا في موقف ضحية البربرية الأمريكية، ويتعيَّن على مجلس الأمن أن يبحث هذا السلوك الأمريكي، كما يتعيَّن على الدول العربية- فرادى وفي إطار الجامعة العربية- أن تدين هذا السلوك البربري الأمريكي، وألا تتسامح معه، وربما فهمت واشنطن كعادتها أن الأراضي السورية مستباحة؛ لأن هناك فتورًا في العلاقات السورية العربية.
وأخيرًا.. فنحن نستبعد بعض التفسيرات التي وردت في بيانات الإدانة الشعبية العربية، والتي تعتبر العدوان على سوريا محاولةً لصرف الانتباه عما تعانيه الولايات المتحدة من الأزمة المالية الأمريكية.
وعلى أية حال فإن الأزمة المالية والسلوك البربري الأمريكي وامتهان القانون الدولي.. كلها سمات بارزة في الولايات المتحدة في عهد بوش، وهذا هو السبب الأساسي في كراهية العالم للولايات المتحدة، وهو أكبر التحديات التي يتنافس المرشحان الأمريكيان في استثمارها في الانتخابات الأمريكية.