الصورة غير متاحة

 سري سمور

 

كثيرًا ما نسمع عن إصلاح أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية، وفي الآونة الأخيرة كَثُر الحديث عن اقتراحٍ بتولِّي أجهزة الأمن في الدول العربية أو بعض منها هذه المهمة، وألاحظ أن هناك مَن هو متحمس لهذا الأمر وكأنه البلسم الشافي للمرض، بل الأمراض، التي تنخر في جسد أجهزة الأمن الفلسطينية، كما أسمع أصواتًا وصل بها الحال إلى حدِّ المطالبة والضغط على الدول العربية لتولِّي هذه المهمة.

 

وفي غمرة هذه اللهفة الزائدة، والتي تنبع من قناعةٍ بأن أجهزةَ الأمن الفلسطينية في وضعها الحالي ليست على ما يُرام، ومن عاطفةٍ قويةٍ تجاه الأشقاء العرب، وهي عاطفة حميدة بلا شك، ومن رغبةٍ في تجاوز الأزمة الفلسطينية الحالية.. في غمرة كل هذا يغيب عن الأذهان سؤال مهم: هل أجهزة الأمن العربية قادرة على إنجاز هذه المَهمة (بفتح الميم) المُهمة (بضم الميم) بنجاح؟.

 

إن تجربتنا كشعبٍ فلسطيني مع المؤسسة العسكرية والأمنية العربية لا تدفع إلى التفاؤل؛ فمن جمع الأسلحة من آبائنا وأجدادنا عام 1948م والمشاركة في ترحيلهم عن قراهم ومدنهم بحجة إفساح المجال أمام الجيوش العربية لتتولَّى مهمة تصفية العصابات الصهيونية، والنتيجة نعرفها، وصولاً إلى توالي الهزائم والنكبات (أو النكسات كما يسمونها) حتى وصلنا إلى الوضع الحالي، وأرجو ألا يتهرَّب أحد أو يتبرَّم عند الحديث عن هذا الأمر بحجة عدم نبش الماضي وفتح الجراح القديمة؛ فهذه حجج واهية، كما أن الذين كانوا صُنَّاعًا للقرار السياسي والعسكري في بلاد العرب لا ينكرون هذه الحقيقة.

 

أما عن المؤسسة الأمنية العربية فلم تكن أرحم بنا من نظيرتها العسكرية، وكم من مناضل فلسطيني دفع حياته أو سنوات طويلة من عمره في سجون الأشقاء العرب بتهم باطلة أو ملفقة!، وكم من الأشقاء العرب دفع ثمنًا باهظًا لتعاطفه مع القضية الفلسطينية ومحاولته تقديم المساعدة لإخوانه!.

 

أما عن سجل حقوق الإنسان الخاص بأجهزة الأمن في الدول العربية فهو بشهادة من عملوا فيها مليء بالانتهاكات للكرامة الإنسانية، أما الفساد فهو يضرب بأطنابه في هذه الأجهزة بشهادة أصدقائها قبل أعدائها، فهل فاقد الشيء يعطيه؟!

 

ثم إنه ومنذ بدء تنفيذ اتفاق أوسلو يتلقى ضباط وأفراد مختلف الأجهزة الأمنية الفلسطينية تدريبات أمنية وعسكرية في الدول العربية، فما الجديد الآن لنصفِّق للفكرة؟! وأذكر أننا كسكان الضفة والقطاع حينما كنا نرى تصرفات غير مقبولة دينيًّا وأخلاقيًّا ووطنيًّا صادرةً عن ضباط وأفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية كنا نعلل الأمر بأن هؤلاء لم يعيشوا في غزة ونابلس وجنين، بل قضوا عشرات السنوات في دول عربية جلبوا منها السلبيات والممارسات المشينة، هل ينكر أحد أننا نردد هذا الكلام دائمًا؟!

 

أنا لا أنكر أننا كشعبٍ فلسطيني في الداخل وبسبب الاحتلال حُرِم شبابنا من تلقي تدريبات عسكرية، بل حتى النوادي الرياضة وألعاب القوى تعرضت للإغلاق والمضايقات، ومهما تكن حال أجهزة الأمن العربية فإنها تمتلك خبرات مهنية نحتاجها كشعب "خام" من هذا الجانب بلا شك، وأنا أقول إنه إذا اقتصر الأمر على جانب التدريب فهذا لا غبارَ عليه، ولكن ماذا عن الأمور الأخرى؟ أم أنها غير مهمة؟!

 

والأهم من كل هذا هو الاحتلال الموجود فوق أرضنا ويراقب كل حركاتنا ويعد علينا أنفاسنا؛ فهل سيسمح هذا الاحتلال بوجود أجهزة أمن فلسطينية صالحة وناجحة ومهمتها حماية شعبها لا حماية أمنه والسهر على راحة جيشه ومستوطنيه السفلة القتلة؟ هل الاحتلال غبي لكي يسلح ويسمح بتدريب عناصر أمنية وضعت نصب أعينها الدفاع عن المواطن وكرامته، خاصةً في الضفة الغربية؟! أم أن الحالمين بذلك نسوا أن هناك احتلالاً هو الأسوأ والأبشع في تاريخ الأمم والشعوب؟!.

 

ثم هل نسينا أن الدول العربية تنظر بعين الريبة، بل بعضها يتعامل بمنتهى الغل والحقد والقسوة مع أية حركة إسلامية؟! فكيف نعتمد عليهم في بناء أجهزة سيكون عماد عملهم فيها اعتبار حركة حماس ركنًا أساسيًّا لا ينبغي استبعاده؟!

 

شخصيًّا أتمنى إجابة عن هذا السؤال والأسئلة التي سبقته في هذا المقال بعيدًا عن العواطف والتمنيات.

 

في واقع الأمر.. شعبنا في الضفة وغزة يحتاج إلى جهاز شرطة ومباحث جنائية تتمتع بالقوة والمهنية والتدريب الجيد واللائق، ومدعومة بنظام قضائي مستقل ونزيه، أما بقية الأجهزة فلا داعي لها، والقول بأنها نواة للدولة الفلسطينية العتيدة ثبت بواقع التجربة عقمه وفشل تطبيقه، وتبيَّن بعد الحصاد المُرِّ أن ضررها أكثر من نفعها، بل نحن بحاجةٍ إلى خلايا ومجموعات مقاومة حقيقية، خاصةً في الضفة الغربية، تنتهج العمل السرّي الصارم البعيد عن الاستعراض، واجتناب التدخل في شئون الناس المدنية مطلقًا، كما أنه يلزمنا في ظل انفلات المستوطنين المتصاعد تشكيل مجموعات دفاع شعبي عن القرى والمزارعين قبل أن نصحوَ على أخبارٍ لا نتمنَّى سماعها، أي أخبار مجزرة أو مجازر ضد قرية أو مسجد أو مزارعين، وأعلم يقينًا أن العرب- رسميًّا- لن يساعدونا في ذلك إلا إذا توحَّدت كلمتنا، بل إن هناك رأيًا رسميًّا فلسطينيًّا يعتبر اقتراحاتي نقيضًا "للمصلحة الوطنية العليا" وربما تهمة تستحق المحاكمة!.

 

ورغم ذلك لا يصح في النهاية إلا الصحيح؛ فنحن شعب لا يلزمنا أجهزة خاضعة للاحتلال تُشرف على تنظيمها أجهزة فيها من المشاكل ما فيها.. نحن شعب محتل، والمحتل يحتاج إلى التحرر أولاً وقبل كل شيء، ولا داعي لإشغالنا بترهات وقضايا أخرى، وبعد التحرر لكل حادث حديث.

-----------

* قرية أم الشوف المدمِّرة-  قضاء مدينة حيفا المحتلة.

حاليًّا: جنين- فلسطين المحتلة

بريد إلكتروني:

sari_sammour@yahoo.com

s_sammour@hotmail.com

sari_sammour@maktoob.com