النظام العسكري يعتمد على طاعة الأوامر وعلى السمع والطاعة والانضباط والدقة، ولكن يبقى هناك تنوُّعٌ ومرونةٌ في تنفيذ تلك الأوامر؛ فهناك أساليب مختلفة لتطبيق القانون، ولكن الأمر يكون متروكًا في بعض الأحيان لاجتهاد من ينفِّذها طالما لم تكن قطعية التحديد.

 

ولو نظرنا نظرةً متأنيةً إلى الانتهاكات التي حدثت مؤخرًا في مجال حقوق الإنسان في بلادنا سنجد:

 

(1) حادثة الاعتداء على أهالي وطلاب مدرسة الجزيرة أثناء وقفتهم الاحتجاجية ضد غلق المدرسة، وإصابة والد إحدى التلميذات بشلل رباعي نتيجة قيام أحد ضباط الشرطة بضربه بالحذاء في رقبته.

 

(2) حادثة الاعتداء على المواطن صالح أحمد محمد حسن وتعذيبه وهتك عرضه بقسم شرطة سيدي جابر.

 

(3) حادثة الاعتداء على المواطن خليل إبراهيم خليل وحرقه وتكسير قدميه وحرق وتحطيم أثاث منزله من قِبل ضباط قسم سيدي جابر، وسحله أمام أهالي منطقته.

 

(4) حادثة قتل المواطنة ميرفت عبد الستار وهي حامل، والتي قام ضابط المباحث بركلها في بطنها فأصابها بنزيف توفِّيت على إثره.

 

- أعتقد أن الأوامر في الحادثة الأولى صدرت بفض الوقفة الاحتجاجية وصرف الناس بهدوء أو اعتقال العشرات على أسوأ تقدير؛ حتى لا تتكرر مثل هذه الوقفات.

 

ولم يكن في الأوامر ضرب الأطفال والأمهات بـ"الشلاليت" ورفع الأطفال إلى أعلى وإلقاؤهم على الأرض، ولم يكن فيها ضرب المواطن حمادة عبد اللطيف وتكسير عنقه ونزع "بنطلونه" منه، ولا كان في الأوامر مطاردة الأهالي بعد ركوبهم المواصلات العامة المدنية وإنزالهم منها واعتقالهم بعد انصرافهم من الوقفة التي لم تتم أصلاً!.

 

- وفي الحادثة الثانية تم التحقيق مع عم صالح بقسم شرطة سيدي جابر؛ لمعرفة حقيقة الاتهام الموجَّه إليه بتشابه اسمه مع أحد المحكوم عليهم، ولم يكن مطلقًا في الأوامر التي صدرت إدخال الأصابع في دبر عم صالح أو تعليقه في الباب وضربه بهذه الصورة التي ظهر بها.

 

- وفي الحادثة الثالثة كان المطلوب هو شعبان ابن عم خليل إبراهيم الذي رد على أحد ضباط قسم سيدي جابر في أحد الكمائن بصورةٍ لم تعجب الضابط وهرب منه بعد ذلك فذهب إلى المنزل ليؤدبه فلم يجده فقام بتأديب والده، وهو بالمناسبة نفس الضابط المتهم في القضية السابقة!.

 

من المعلوم يقينًا أن الأوامر لم يكن فيها اصطحاب أصحاب المراقبات أو استخدام زجاجات المولوتوف وحرق الرجل وحرق منزله ولا سحل الرجل المسن أمام جيرانه ليلة 27 رمضان!.

 

- وفي الحالة الرابعة صدرت الأوامر بالقبض على مشتبهٍ بهم في قضية سرقة، ولم يكن أبدًا هناك أوامر بقتل أو حتى دفع سيدة حامل تريد أن تعرف لماذا يفتشون منزلها ويقبضون على شقيق زوجها في بيتها!.

 

لا أريد أن أجزم يقينًا بأن الأوامر تصدر بفض مظاهرة بصورة حضارية مناسبة أو التحقيق بصورة لائقة تحترم آدمية الإنسان وكرامته، وحتى أوامر الاعتقال تصدر- لو فرضنا جدلاً- بقانونيتها لحفظ القانون وليس لانتهاك القانون أثناء عملية الاعتقال؛ مما يدفعنا إلى أن نتأكد أن هناك من يجتهد اجتهادًا خاطئًا وشاذًّا وشيطانيًّا في تنفيذ الأوامر وأصبح ملكيًّا أكثر من الملك في تنفيذها وتطبيقها.

 

وما زلت أعتقد أن قيادات الشرطة تصدر الأوامر كما تخيلتُها؛ لأن عكس ذلك يكون معناه وصول الوضع الأمني في مصر إلى مستوى متدنٍّ للغاية لا يليق بنا كشعب ذي تاريخ وحضارة، ولا بجهاز شرطة نعتز بما يقوم به من أجل حماية الوطن من الخارجين على القانون.

 

وأخيرًا.. أصرخ في آذان وفي وجه رجال الشرطة المعنيين بالتعامل المباشر مع المواطنين وأقول لهم: من فضلكم افعلوا ما تؤمرون وفقط، وكفاكم اجتهادًا.. "حرام عليكم... حتروحوا من ربنا فين؟!".

---------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان- www.dahayaa.com