تتحرك قطر في القضايا العربية بمبادرات منها أو بطلبٍ من أطراف هذه القضايا ولا يزال لقاء الدوحة بشأن لبنان نموذجًا؛ حيث تمكَّن أطراف الصراع في لبنان من الحوار والاتفاق على خطوط عامة دون الادعاء بأن الانتماءات والنفوس قد صفت، وأن مصلحةَ لبنان الوطن قد غلبت، ولكن يكفي أن كل الأطراف قد وجدت الحد الأدنى لمصالحها ومواقفها في هذا الاتفاق، والقياس على سابقة لبنان تدعو إلى التمحيص بقصد الإفادة وتوفير أكبر قدرٍ من الفرص لنجاح المساعي القطرية بمبادرة عربية، ففي حالة لبنان كانت كل الأطراف قد وصلت إلى وضع يتعين معه الانتقال منه بسرعةٍ إلى وضع آخر يُنقذ ماء الوجه.
فالأطراف التي سيطرت عسكريًّا على بيروت وبعض المدن الأخرى، بصرف النظر عن أسبابه ودواعيه وآثاره الإيجابية أو السلبية لم يكن بوسعها البقاء في هذا الوضع حتى لا ينالها ضرر التداعيات الداخلية والخارجية وتفاقم مشاعر الغضب، كما أن الأطراف التي فوجئت بعملية 9 مايو ومدى السرعة والسيطرة التي تمتعت بها حيل بينها وبين المنقذ الخارجي الذي عجز عن العمل إزاء هذا الوضع الجديد، وبصرف النظر أيضًا عن مدى علاقة هذه الأطراف الحميمة مع الكيان الصهيوني وبالذات المعلومات المتوفرة عند الجميع عن تاريخهم وحاضر تآمرهم معها.
كانت المبادرة القطرية أو غيرها مطلوبةً بسبب نضج الوضع في لبنان إنقاذًا لماء الوجه من الجانبين؛ لهذا السبب لا أُصدق ما نُشر عن أن الاتفاق واجه صعوبات، وكاد ألا ينعقد لأنني أستطيع أن أتصور بيئة التفاوض في هذا الوضع، فالمنتصرون لم يصروا على جني الثمار السياسية لانتصارهم، والمهزومون لعقوا جراج الهزيمة وفوجئوا بمرونةِ المنتصرين رغم عداء البيئة العربية الرسمية عمومًا لكلِّ ما حدث خشيةَ الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية، وقد أُثير سؤال وجيه وهو لماذا تحركت قطر بحريةٍ في لبنان؟ والإجابة أن واشنطن وسوريا وإيران ومصر والسعودية وكلها أطراف خارجية في الأزمة أرادوا أن يتحرك أحد، ومن حسن الحظ أن قطر لم تتورط فيها، رغم أن قطر كانت أول مَن ساند انتصار حزب الله عام 2006م وسارع إلى المشاركة في إعمار بعض ما دمره عدوان 2006م، وكانت الأسبق في حضور قمة دمشق العربية واتسم خطابها بالمصالحة والاعتدال.
معنى ما تقدَّم أن قطر في العالم العربي تحظى بقبولٍ عام للوساطة إذا كانت كل الأطراف عربية، ولكن صلاحية قطر للوساطة بين السودان والتمرد في دارفور يرد عليه أربعة تحديات آمل أن يتم التغلب عليها:
التحدي الأول: هو أن جوهر المبادرة هو قرار وزراء الخارجية العرب، وأن مهمة قطر هي السعي لتنفيذها مع الطرفين المتصارعين على افتراض أن التمرد هو الآخر طرف عربي، ولكن التمرد بادر باتهام الجامعة بمساندة الحكومة السودانية ورفض المسعى العربي، فهل يمكن للتمرد رفض الخطة العربية، وأن يقبل في نفس الوقت الوساطة القطرية حتى لو تم تعديل أفكار الخطة بما يلائم قبول قطر مبدئيًّا كوسيطٍ ولو بمرجعية معدلة، المهم إنهاء المأساة في دارفور؟.
التحدي الثاني: هو أن قطر تتصدى لتسوية مشكلة دارفور وهي تعلم أن قضية البشير مع المحكمة الجنائية الدولية هي واحدةٌ من أخطر تداعيات الأزمة، وأن التمرد يعتبر قرار المدعي العام بإدانة البشير في دارفور أداةَ ضغطٍ لصالح التمرد، فهل يوجب ذلك على قطر الحياد أيضًا وعدم مساندة الموقف العربي المؤيد للسودان على كلِّ المستويات السياسية والقانونية ضد المدعي العام للمحكمة، أم أن تحرك قطر جزء من التحرك العربي في الأزمة بكل تداعياتها وملفاتها؟.
التحدي الثالث: هو ما إذا كانت قطر التي اطلع وفدها على موقف الحكومة في الخرطوم ودارفور ويُحيط بموقف التمرد من خلال الإعلام، سوف تدعو المتمردين في الدوحة في حوارٍ مع الحكومة بناءً على الأرضية التي حصلت عليها قطر وفي ضوء مبادرة أهل السودان التي قدَّمها الرئيس البشير مؤخرًا لحل الأزمة حلاًّ شاملاً؟
هناك احتمالان في هذا الصدد: الأول، أن يستجيب زعماء التمرد للحوار بسقفٍ أعلى من السابق يفوق ما قرره اتفاق أبوجا، وهو أمر لا تستطيع قطر أن تتجاوب معه، والاحتمال الثاني هو أن يرفض زعماء التمرد المشاركة في الحوار؛ لأن الحوارَ سوف يكشف حقيقةَ مواقفها، وهي أنهم لا يريدون شيئًا لسكان دارفور، ولكنهم أمراء حرب يريدون استمرار الصراع، وأن يستمر توظيفهم من جانب فرنسا وتشاد, وفي هذه الحالة تكون قطر قد استنفدت مهمتها.
التحدي الرابع: هو معيار النجاح والفشل والموقف العربي في التحرك القطري؛ حيث إنه من الواضح أن المبادرة نفسها عربية، وأن تقريرَ قطر المكلفة بالتحرك لتنفيذ هذه المبادرة هو الأساس في الموقف العربي، وبصرف النظر عن التحديد القانوني لطبيعة المهمة القطرية، وهل قطر تكتفي ببذل المساعي الحميدة لأطراف الصراع، أم أنها تقوم بدور الوساطة أو دور التوفيق بالاستعانة بمضمون المبادرة العربية؟.
فإن الأهم لنجاح هذا المسعى أن يشعر زعماء التمرد أن مساندة العالم العربي لحكومة السودان لا يتناقض مع موضوعية التحرك العربي؛ حفاظًا على الشعب السوداني في دارفور، وأن يشعر هؤلاء أيضًا أنه إذا اكتشف تلاعبهم بمستقبل هذا الشعب فإن العالم العربي سوف يُساند السودان لقمع هذا التمرد بصرف النظر عن الأطراف التي تسانده، بل قد يتخذ موقفًا من هذه الأطراف التي تهدد وحدة أراضي السودان واستقراره.
فهل تملك قطر هذه المفاتيح أم أن مهمتها محددة، وهل تمارس دورها على أساس أنها مهمة قطرية يساندها العالم العربي تتحمل وحدها نتائج النجاح والفشل؟ وأخيرًا فإن من حق قطر أن تستعين بأي خبراتٍ فنيةٍ عربيةٍ تُدرك أبعاد المهمة، وأن تكون مشاركتها إضافةً إلى هذه الجهود الخيرة والنبيلة بقدر نُبل الهدف في إنهاء المأساة في دارفور بكل ملفاتها.