لا يمكن لأكبر الفلاسفة والخبراء أن يجد أعذارًا يمكن أن تضفيَ شيئًا من الوطنية على قائد الأمن الوطني دياب العلي؛ بعد حديثه في صحيفة (هآرتس) العبرية" منبر سلطة رام الله" والذي تبعه بعد ذلك حديث أجرته معه صحيفة (القدس العربي)، هذا الحديث كله كلام مسموم غير وطني؛ يصيب كل فلسطيني ينتمي إلى هذا التراب بالألم والغضب، ويكشف مدى ابتلاء هذا الشعب ومعاناته بمثل هذه الأسماء والوجوه.

 

لن أقف عند مقابلة صحيفة (هآرتس) "منبر سلطة رام الله" التي تحدث بها عن استعداد الأجهزة الأمنية لإعادة قطاع غزة بالقوة بموافقة ودعم صهيونيين، وهو ما اعتبره الكثير من قيادات حركة فتح- ومنهم قدورة فارس- أنها سخيفة؛ حيث قال: "قصة التهديد باجتياح غزة لتحريرها من قبضة "حماس" بالقوة تصريحات سخيفة ليس لها أي رصيد عملي، وهي أقرب إلى الثرثرة المرفوضة جملةً وتفصيلاً" لكنني سأقف عند تصريحاته المطولة الخطيرة جدًا مع صحيفة (القدس العربي).

 

المقاومة نجحت في الاختبار

في بداية حديثه كان لا بد له من مهاجمة حماس كالعادة؛ تركوا مهاجمة الصهاينة ووضعوا مكانها حماس، والاستخفاف بعد ذلك بقوتها وبقوة فصائل المقاومة، متفاخرًا بأن الكيان الصهيوني يمكن له أن يدمر القطاع عن بكرة أبيه في ساعات، وأن وحدةً واحدةً يمكن لها أن تجتاح القطاع، لا يمكن لأحد أن يستخف بقوة الطغيان الصهيوني؛ يمكن لسلاح الطيران أن يقصف الأبنية والمدارس والمستشفيات، ويدمر جميع المرافق الخدمية في القطاع، لكن لا يمكن له أن يدخل الأرض ويحقق نتائج جيدة، تجربة حرب لبنان ما زالت ماثلة أمامنا.

 

لقد دمر الطيران الصهيوني جميع المرافق، قصف الجسور، والبيوت، والمستشفيات والقرى.. لكنه اعترف بهزيمته على الأرض وتكبَّد خسائر كبرى؛ جعلته يطلب النجدة من العالم لكي يوقف الحرب، ومن قبل ذلك، ألم تخرج فصائل المقاومة من كتائب القسام وشهداء الأقصى وسرايا القدس وأبو علي مصطفى وباقي فصائل المقاومة؟ ألم يطردوا الاحتلال من قطاع غزة بعد 22 عامًا من اغتصابه؟

 

تطاول على دماء شعب

أما ما استفزني أكثر واستفز كل فلسطيني ما زال لديه ولاءٌ لدماء هذا الشعب الفلسطيني التي تنزف منذ ستين عامًا رأيه بقضية الكفاح المسلح حيث يرى: أنّه ليس من خياراتي؛ لأنّه أنتج قتلة ومجموعة من الصبيان، والانتفاضة الأولى والثانية جلبتا لنا الويلات والمصائب.

 

مؤكدًا أنّ التعاون الأمني بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية وبين الصهاينة والأمريكيين يتم بشكل علني، ولكنّ هذا الأمر لا يعني بأي حال من الأحوال أن السلطة الفلسطينية هي مجموعة جواسيس تعمل تحت إمرة تل أبيب أو واشنطن، نحن ضد إطلاق النار على اليهود وضد إطلاق النار على الصهاينة وضد العمل التفجيري وضد الانتحاريين ونريد الأمن في البلد".. هكذا قال.

 

إذا كان هذا رأيه فنحن نسأل أولاً: من أين حصل هذا الشخص على رتبة لواء وهو ليس له بالعمل العسكري، ولم يحارب الكيان، ولن يحاربها غدًا..؟ ربما من أيام لبنان التي نعرفها جميعًا.

 

إذا كان هذا رأيه في انتفاضة الحجارة وانتفاضة الأقصى فنحن نسأل أيضًا: ألم تأتِ سلطة أوسلو على دماء شهداء انتفاضة الحجارة؟! ألم يوقف فريق أوسلو هذه الانتفاضة التي ألحقت ضررًا كبيرًا بالكيان الصهيوني أمام الرأي العام العالمي، ولم يكن لهم بها شيء، وبالتالي قطفوا ثمار نضال دام سبع سنوات؟! ألم يحصل عصيان في صفوف قوات الاحتلال لأنهم رفضوا أداء الخدمة العسكرية في مناطق التي كانت تشهد مواجهات مع أطفال الحجارة، وشهد جيش الاحتلال موجةً من عمليات الانتحار بين جنوده بسبب الانتفاضة؟! ألم يذهبوا مهرولين على دماء الأطفال إلى واشنطن ليوقعوا أوسلو الأسود ويعودوا إلى هنا تجارًا وسماسرة؟! أليس مخجلاً وعارًا أن نصف الأطفال الذين كانوا يواجهون الدبابات الصهيونية بصدورهم العارية بأوصاف لا تليق بهم كشهداء وطن؟.

 

أليس من الوقاحة أن يصف هذا "اللواء" ما أنتجته انتفاضة الأقصى بالقتلة؟! ألا يعلم أن انتفاضة الأقصى أخرجت إلينا قيادات أصيلة وطنية جاهدت بأرواحها من أجل الوطن..؟ هناك منهم من استُشهد وهناك من يقبع في زنازين النسيان؟! ألم تنتج الانتفاضة لدى أطفالنا وشبابنا وعيًا وطنيًّا وأن لهم وطنًا محتلاًّ يجب أن يعود؟! أم أنه يريد لهم أن يشاركوا أطفال الصهاينة في مركز بيرس الرحلات والندوات واللقاءات، ومن ثم تسقط كل حقوق هذا الشعب بالتقادم، كما خطط الصهاينة!!.

 

النظرة إلى الخيانة.. كيف تغيرت

وهنا لا بد لمقولة الشهيد صلاح خلف أن تفرض نفسها وتنطبق على دياب العلي؛ حين قال: "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر".

 

نحن نقول لروح الشهيد: بالفعل أصبحت الخيانة وجهة نظر؛ فالسيد دياب العلي يفلسفها وفق مزاجه؛ فهو يرى أن التنسيق الأمني مع الكيان ومنع العمليات الاستشهادية وإطلاق النار على الجنود واعتقال المناضلين ليس عمالة للكيان؛ في حين يصف من يقوم بالعمل العسكري مع أبناء الشعب الفلسطيني المحتل منذ عام 1948 بالجاسوسية، وأنه يخدم الأهداف الصهيونية، ونحن نجيب بأن من يخدم أبناء صهيون هم من يقول إن هناك تنظيمًا للقاعدة في غزة، كما قلت أنت وقال قبلك المالكي؛ ليمنح الاحتلال ذريعةً لأن يقتل ويقصف ويهدم تحت هذه الحجج، ومن يقول إن المقاومة هي التي سبَّبت لنا الدمار، متناسيًا قتل قوات الهاجاناة والأراجون لنا منذ ستين عامًا، ومن يتباكى على آلام اليهود أمام العالم في المؤتمرات والندوات متناسيًا آلام شعبه، ومن يعتبر دولة الاحتلال دولة ترغب في السلام، وصديقة لشعبنا.. هؤلاء هم من يخدمون الصهاينة.

 

-----

* الضفة المحتلة.