ما إِنْ تحل ذكرى السادس من أكتوبر حتى يسترجعَ الكثيرون ممن شاركوا أو ممن سمعوا ولم يشاركوا؛ يسترجعون الذكرياتِ الحبيبة إلى القلوب، ذكرياتِ التضحية والفداء، والبطولة والوفاء، ونسمع الكثير من حكايات الأمجاد، ونحاول بثَّها في نفوس البنات والأولاد؛ علَّها ترد ثقةً غائبةً، وتدفع عن مصرَ أيَّة عائبة أو شائبة.
ومن أجمل ما سمعت من هذه القصص، وهي كثيرة، ما رواه أحد المشاركين في سدِّ الثغرة، أنه كان قائدًا لجنودٍ نفدت ذخيرتهم جميعًا إلا واحدًا بقيت معه طلقة واحدة، وكان الموقف بالغَ الحرج؛ إذ كانت هناك توقعاتٌ بهجومٍ متوقعٍ عليهم صبيحة اليوم التالي؛ فما كان منه إلا أن أخفى خبر نفاد الذخيرة عن كل الجنود، فصار كلٌّ منهم يظنُّ أن ذخيرته هو فقط هي التي نفدت، ورتَّب القائد مع صاحب الطلقة الوحيدة أن يبدأ هو التسديد عندما يأمره بذلك، ثم سيتبعه باقي زملائه، ويقول إنه ظل طوال الليل يدعو ويبتهل إلى الله تعالى، ويردد "الله أكبر.. وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى"، وعند هجوم العدو في الصباح صبر القائد حتى أطمع الأعداء في الاقتراب جدًّا، ثم أمر صاحب الطلقة الوحيدة أن يضرب فأصابت الطلقة هدفها من قريب، وظنَّ العدو أنه كمينٌ قد نُصِبَ لهم، فولَّوْا على أعقابهم خاسرين.
وكما يقولون إن النصر الحقيقي هو بالآثار التي تأتي بعده، وحتى لا يتحوَّل السادس من أكتوبر إلى مجرد ذكريات نعيش عليها فقط، أو إلى ماضٍ بعيدٍ غير قابل للتكرار، أو إلى تميمةٍ نلجأ إليها كلما خبا عندنا الأمل، أو كما يقول البعض مولد سنوي يقصده المريدون، فيرددون "مدد يا سيدي أكتوبر"؛ فقد كان رجلاً صالحًا، فمن أجل أن تعود إلينا روح أكتوبر الحقيقية يجب أن نصارح أنفسنا بلا مواربة بالعوامل الجوهرية التي كانت سببًا في وجود روح أكتوبر 73، والتي غابت شيئًا ما عن الأجيال الحالية، والتي أصبح لها عذرٌ للأسف في ما نشهده من ضعف الانتماء، وتبدُّل كثيرٍ من القيم وصور الولاء.
أول هذه العوامل هو وضوح مفتاح النصر "الله أكبر"، والعودة إلى الله تعالى، والاستعانة به، والتوكل عليه، ووضوح راية الانتماء الحقيقية والأساسية لهذا البلد.. إنها راية الإسلام التي تسع كل أبناء الوطن؛ مسلمين وغير مسلمين، كما وسعتهم من قبل راية "وا إسلاماه" في ردِّ الصليبيين.
بعض الناس يظن الحديث عن الإسلام انتقاصًا لحق غيرهم من الأقباط، والعكس هو الصحيح؛ فليس هناك دينٌ يوصي خيرًا بأبناء الديانات الأخرى كما يوصي الإسلام بحقوق غير المسلمين المشتركين معه في الوطن الواحد، وهم كما قال مكرم عبيد مسلمون حضارةً وإن اختلفوا ديانةً، وكما قال البابا شنودة إن الأقباط يكونون أسعد حالاً في ظل تطبيق الشريعة، وكم من صور الفداء المشترك في حرب أكتوبر تُروى عن مسلمين وأقباطٍ في خندق واحد.
إن مادة الدين يجب أن تعود في المدارس مادةَ اهتمامٍ واختبارٍ، وتربيةٍ وتزكيةٍ وانتماءٍ.. إنه إذا تعددت صور الانتماء من إسلامية وقومية ووطنية وعربية فإن الانتماء الحقيقي الذي يسع باقي الانتماءات ولا تسعه هو الانتماء الإسلامي السمح، وفي هذا تأكيد للوحدة الوطنية وليس معارضة لها.
أما العامل الثاني فهو وضوح الطرف الآخر بلا تمييع: إنه العدوّ.. كانت هناك مادة تدرس في الجيش اسمها العدو، أي اليهود المغتصبين، بمكرهم وخبثهم، إنهم اليهود الذين ذكر لنا القرآن صفاتِهم، لهم أساليب خسة معروفة في حرب العرب والمسلمين، أساليب ثابتة منذ بعثة النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى الآن.. فتِّش عنها ستجدها في كل وقت ولو بصور مختلفة، هذه الأساليب هي "اختلاق الشبهات، وإثارة الشهوات، وزرع بذور الفُرْقة، والتعاون مع المشركين في الخارج، والمنافقين في الداخل".
هذا العدوُّ أصبح بجرة قلم صديقًا؛ يتغلغل بيننا، ويدخل ويخرج في سلام، وفي حراسات خاصة، وينفث سمومه، ويُفسد القيم، ويهلك الزراعات، ويوجه الثقافات، ويمسخ الإعلام، ويتدخل في تغيير مناهج التعليم، ويعبث بالاقتصاد، ويعربد على الحدود؛ قتله لجنودنا ذنب مغفور، استيلاؤه على الغاز من عندنا سعي مشكور، يراقب خلوَّ سيناء من قواتٍ مؤثرة.. إنه صديقٌ على المستوى الدبلوماسي، ولكنه بفضل الله سيظل في ضمير عامة الناس عدوًّا لدودًا.
إن روح أكتوبر ليست صنمًا يُعبد، وإنما هي روحٌ تولَّدت لأسباب وعوامل؛ فإن أردنا عودتها فلنهتم بإعادة هذه العوامل؛ العودة إلى "الله أكبر" شعارًا ومنهجًا، ومراجعة اتفاقيات التطبيع ومعالجة آثارها بسرعة.