د. محمد سعد

 

ماذا تبقَّى من نصر أكتوبر؟ سؤال يتبادر إلى الذهن وأنت تشاهد من حولك هذا التحلل والتفكك في بنية المجتمع المصري بل وفي مؤسسات الدولة ذاتها!!.

 

يجيء أكتوبر هذا العام حاملاً معه حصادًا من الكوارث فاقت في خسائرها حروبًا عديدة خضناها ولا يملون من معايرة شعبنا أنهم قد حققوا السلام المستحيل وأنهم قد حقنوا دماء المصريين!! وكأنهم لا يشعرون بأن فسادهم فاق كل الحروب تدميرًا وقتلاً للمصريين.

 

لم يزل قادتنا العِظام- المكسورة- يحلو لهم أن يحدثونا عن روح أكتوبر التي قهرت المستحيل ويتساءلون في استغراب عن غيابها، وكأنهم لا يعرفون أن الروح قد ماتت في أجسادنا بسبب ظلمهم وقهرهم وأن أسّ البلاء هو غياب الأمل لدى المصريين في تغيير سلمي ديمقراطي يحقق الحد الأدنى من طموحات شبابها.

 

إن المتابع لطوابير خيرة شباب مصر أمام السفارات والقنصليات الأجنبية وكلهم أقصى أمانيه أن يحصل على تأشيرة تقله خارج حدود الوطن!! أو المتأمل في مئات المستعدين للانتحار على طول الشواطئ المصرية في رحلات يومية للموت إلى شواطئ أوروبا يدرك حجم الكارثة التي حلت بهذا البلد تحت حكم هذا النظام الفاسد الذي ينشر الفقر والجهل والمرض والإحباط في كل ربوع مصر.

 

إن القيادة الملهمة الواعية هي التي تشحذ الهمم وتحفز الطاقات وتملك الخيال لتدفع بشبابها نحو المعالي بدلاً من التردي في مستنقعات الجهالة واليأس التي يحيا فيها شبابنا اليوم.

 

لقد أعطى رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام المثل والقدوة لدور القيادة في حياة الشعوب، لقد حوَّل رعاة الغنم إلى سادة للأمم بمشروعه العالمي للإصلاح وقوامه أن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ولعلنا لا ننسى بدرًا وما فيها من مواقف أتذكرون قبل بداية المعركة يستشير الجنود فيما هم عليه مقدمون ويسمع من المهاجرين ويرى تأييدهم إلا أنه يريد أن يسمع الأنصار فيقول "أشيروا علي أيها الناس"!! كان المصطفى يستطيع أن يخوض الحرب بالأغلبية البسيطة للمهاجرين ولكنه أصر أن يحوز على الإجماع الوطني الذي به تؤخذ القرارات الكبرى في حياة الأمة.

 

لقد كان الرسول الكريم مُلهَمًا ومُلهِما لأصحابه بقيم الشورى التي رسخها فيهم بالأفعال ولنراجع موقفه مع اقتراح الحباب بن المنذر يقول له: "ليس هذا بمنزل"، فيستجيب ويغير طبقًا لمشورة صاحبه، وهذا الموقف المعجز في بداية القتال إذ يطلب الكفار أندادهم من المهاجرين ليبدأوا المبارزة فمن يختار المصطفى للمبارزة، "قم يا علي" زوج الزهراء بنت المصطفى وأم الحسن والحسين، "وقم يا حمزة بن عبد المطلب" عم الرسول وأحب الناس إلى قلبه، هكذا القائد يضحي بأغلى ما يملك من أجل شعبه، لا أن يضحي بشعبه بأكمله من أجل مصالح محدودة من أجل فئة محدودة.

 

وهكذا كانت سيرته عليه الصلاة والسلام مع أصحابه يشحذ الهمم ويطلق طاقات الإبداع ويدفع بالشباب الطموح إلى أماكن القيادة ولعل إمارة أسامة بن زيد الحدث الصغير على جيش فيه أبي بكر وعمر فيها ما يكفي من الإشارات فكان المجتمع الفتي الشاب الذي ملء الأرض عدلاً في أقل من ثلاثة عقود.

 

رغم اختلافنا مع عبد الناصر إلا أنه كان يملك مشروعًا ثوريًّا استطاع أن يجمع حوله شباب الوطن العربي وأن يحيا ملايين الشباب بحلم الوطن العربي الكبير ومشروعه في التحرر من الاستعمار الذي امتدَّ ليشمل كل القارة الأفريقية وتكون مصر هي ملهمة الأحرار في كل بلاد العالم، وصحيح أن هزيمة يونيو كانت النهاية لأحلامه الثورية إلا أن هذا لا يلغي أهمية مشروعه كإطار جامع يلتف حوله الشعب.

 

أما السادات فجاء ويحمل تركة الهزيمة فعمل على تجاوز هذه المرحلة ونجح بمعاونة المخلصين في تحقيق إنجاز تاريخي تمثل في انتصار السادس من أكتوبر ليبدأ بعدها تنفيذ رؤيته ومشروعه الذي تناقض مع مشروع سلفه عبد الناصر الاشتراكي المنحاز لليسار وينفذ مشروعه المنحاز لاقتصاد السوق ورجال الأعمال الذي بدا مبشرًا في بداياته ولكنه انتهى بمصائب كبيرة في النهايات مخلفًا أزمات اجتماعية خانقة.

 

والملاحظ هنا أن كلاًّ من عبد الناصر والسادات كان يحمل أيديولوجية ومشروعًا قد نتفق أو نختلف حولهما إلا أنهما كانا يحملان مشروعًا يعملان على تنفيذه وتوجيه الجهود لإتمامه.

 

أما اليوم فالمراقب للحالة المصرية يجد ترهلاً شديدًا في أداء الدولة المصرية في غياب مشروع جامع يوحد الجهود ويعيد الأمل في الشباب الذي فقد الانتماء ويشعر أنه غريب على أرضه، وأن هذه ليست بلده إنما هي لناهبيها من رجال الأعمال وسارقي البنوك والجالسين أبدًا على كراسي الحكم.

 

إن إدارة مصر بطريقة الموظفين، وبنفسية الموظف ذي الأداء الروتيني الذي لا جديد في حياته بل هو كل يوم في انتظار أن يخرج للمعاش هو جريمة في حق بلد بحجم مصر ومكانة مصر التي يتطلع إليها كل العرب الراغبين في حرية بلادهم.

 

ولهذا كان من الضروري أن تتكاتف جهود كل القوى الوطنية للعمل على إيجاد هذه القيادة الفتية الملهمة المبدعة وإعادة الروح إلى أوصال وطننا الحبيب الذي يصارع كي يبقى على قيد الحياة، قيادة تجدد فينا فقه الانتصار والعزة لا الهزائم والذلة.

---------

* أخصائي العيون