أسوأ شيء أن يحيا المرء منا في مجتمع تختلط فيه الأمور وتضيع فيه الحقوق وتسقط فيه المبادئ ويتم الضرب بالقوانين والأحكام عرض الحائط، مجتمع عشوائي يدار بطريقة العزبة والتكية وإن كنت أعتقد أن حكم الباشوات للعزبة كان فيه قليل من المنطق والعقل، لكن ما يحدث في بلادنا هذه الأيام أمر تخطى اللامعقول واللامنطق، فمعاصرتي لعدة أحداث حدثت بمدينة الإسكندرية تم الكشف عنها عن طريق مركز ضحايا لحقوق الإنسان كانت عجيبة ومذهلة لي.
فأحداث مدرسة الجزيرة بالإسكندرية بدأت بتشميع المدرسة مع بدء الدراسة بالفعل في المراحل التعليمية التمهيدية؛ وذلك بناءً على قرار من المحافظ رقم 534 لسنة 2008 بحجة عدم وجود ترخيص للمدرسة (لماذا انتظر المحافظ أول أيام الدراسة لغلق المدرسة؟!).
إلا أن القضاء الإداري أصدر قراره في القضية العاجلة التي رفعتها إدارة المدرسة أمام مجلس الدولة برقم (15553) بفتح المدرسة فورًا وتطبيق القرار بمسودة الحكم، إلا أن التلاميذ وأولياء أمورهم فوجئوا بتعنت الأمن معهم وإصرارهم على عدم فتح المدرسة ووقعت أحداث الأربعاء الدامي الذي أسفر عن إصابة أحد أولياء الأمور وهو الأستاذ حمادة عبد اللطيف بشلل رباعي نتيجة تعدي أحد ضابط الشرطة عليه وكذلك الاعتداء على التلاميذ وأمهاتهم في واقعة لم تحدث من قبل في مصر من قيام عسكري أمن مركزي بضرب طفل لا يتعدي سنه 8 سنوات ناهيك عن المأساة الكبرى وهو اعتقال أولياء الأمور بمجرد رؤية تلميذ بزي المدرسة يسير معه فأصبح زي المدرسة جريمة مما أصاب أمهات التلاميذ بذعر ورعب واصطحبن أبنائهن في مداخل العمارات ليقومن بتغيير ملابسهم خوفًا من اعتقالهن.
شهادات موثقة ومؤلمة لسيدات فضليات وذوات مستوى اجتماعي وتعليمي راقٍ يتم ضربهن باللكمات و"الشلاليت" ومتى؟ في نهار رمضان!!.
وتكتمل المسخرة في اعتقال الضحية حمادة عبد اللطيف وحبسه 15 على ذمة القضية بمقاومة السلطات!!
كما تم اعتقال مراسل جريدة (الدستور) الصحفي حسام الوكيل بعد أن تم سحله وضربه وانتزاع الكاميرا منه والذي سجل بها صور الانتهاكات التي حدثت وتم حبسه 15 يومًا!!
وكذلك اعتقال 11 من أهالي التلاميذ الذين تجرأوا وذهبوا لمدرستهم لتنفيذ حكم القضاء بدخول أولادهم للمدرسة وتتوالى فصول المأساة بالقبض على مدير المدارس وعشرات غيره بحجة الانضمام لجماعة محظورة وإثارة الشارع في خلط مريب للأوراق وتحويل القضية لموضوع سياسي وهو نزاع محسوم أمام القضاء.
ومأساة أخرى حدثت مع المواطن خليل إبراهيم خليل الذي يسكن في شارع 7 بعزبة عبد المنعم رياض بمنطقة المطار بالإسكندرية أيضًا، والذي تم اقتحام منزله عن طريق اثنين من ضباط قسم شرطة سيدي جابر ومعهما مجموعة من أصحاب المراقبات والبلطجية والقيام بتكسير عظامه وحرق جسده بزجاجات المولوتوف وسحله في الشارع لمسافة 150 مترًا أمام جيرانه الذين حضر أكثر من 50 فردًا منهم لمركز "ضحايا" وأدلوا بشهادات موثقة وانتابتهم حالة من البكاء وهم يرون ما حدث لجارهم وعجزهم عن محاولة إنقاذه من الرعب الذي عاشوا فيه.
ونبحث عن تهمة هذا الرجل نجد أن كل جريمته أن الشرطة تبحث عن ابنه شعبان الذي تكلم مع أحد الضباط في كمين بصورة لم تعجب البيه الضابط وهرب منه فذهب لمنزله في حملة تأديب مرعبة.
ومرة أخرى وبمنتهى اللامبالاة وبدم بارد يتم تلفيق قضية لعم خليل الذي يبلغ من العمر 62 عامًا وهي نفس التهمة المعلبة الجاهزة التي تستدعى في كل مصيبة يقوم بعملها رجال الشرطة وهي (مقاومة السلطات).
ويظل الرجل بحروقه المرعبة وكسور قدميه في محبسه ولا يتم إرساله للمستشفى إلا بعد أن تسربت القضية للصحافة، ويتم حبس الرجل 15 يومًا هو الآخر.
أمور عجيبة تنسف المواطنة والانتماء لهذا البلد.
نعم إن هؤلاء مظلومون ومقهورون، أولهم أصيب بشلل رباعي كامل لا يحرك إلا رأسه ولا يتحكم في بول أو براز، والثاني مستثمر أراد أن يستثمر أمواله ويكرس حياته في تقديم خدمة تعليمية مميزة والثالث مواطن طاعن في السن لم يحرك ساكنًا.
يتم ظلمهم وقهرهم وفوق كل ذلك يتم حبسهم حتى يظل الظلم قائمًا وتظل الحقيقة حبيسة مغمي عليها؟
ما كل هذا الظلم؟!
ما كل هذا القهر؟!
ما كل هذا الفجر والعهر في التعامل مع أبناء الوطن؟!
ماذا جنوا؟ فيما أخطئوا؟
زورتم الانتخابات مرارًا وتكرارًا فأصبتم المواطن المصري بسلبية مزمنة لن يشفى منها إلا بعد زمن، فماذا تريدون من تكرار الظلم والتجبر والعنف؟
أنتم تنسفون البقية الباقية من المواطن الصالح الذي يمشي داخل الحيط حتى هذا لم يسلم منكم فكسرتم رقبته وأشعلتم النار فيه وفي منزله ثم قمتم باعتقاله؟!
فلا عجب أن يتم دهس سيدة فقيرة بسيارة الشرطة ويقتلها فيعاقب السائق بـ200 جنيه و"الظابط" بجواره يقول له "دوس دوس"!!
في حين أن المخالفة في قانون المرور الجديد يعاقب مرتكبها بالسجن!!
وتتحدثون عن الإرهاب، أيوجد إرهاب على وجه الأرض أفظع من ذلك؟
ضاع الحق بيننا فماذا سيحدث لنا؟
يا ساده رغم كثرة الحرائق في مصر هذه الأيام والذي تدل على انهيار كامل للدولة إلا أن الحرائق التي أشعلتموها في نفوس وصدور المظلومين من أبناء الشعب أشد ضراوةً وفتكًا من تلك الحرائق ولا أجد ما أقوله إلا أن ما حدث سيصبح نكتةً وطرفةً يتندر بها العامة على المقاهي فيقول أحدهم لزميله: مرة واحد عايز يدخل ابنه مدرسة فكسروا رقبته وشلوه وبعدين اعتقلوه!!