يعاني العالم العربي عقدتين تجعلا الجرأةَ في محاكمة النازيين الصهاينة أمرًا بعيد المنال؛ العقدة الأولى هي أن الحكومات العربية نفسها لا تجرؤ على الحديث بسوء عن النازيين الصهاينة، والعقدة الثانية هي أن القضاء الوطني في الدول العربية لا يستطيع التصدي لهذا النوع من القضاء إلا بموافقة سياسية.
ويجب أن نُميِّز في هذا المقام بين أمرين، الأول عدم اختصاص القضاء الوطني ولائيًّا بحكم الدستور والقانون الوطني باعتبار المسائل السياسية عادة تخرج من اختصاص هذا القضاء، خاصةً المسائل الداخلة في صلب العلاقات الخارجية للدولة التي تنفرد السلطة السياسية بتقديرها، أما الأمر الثاني فهو أن يكون القضاء مختصًّا ولكن تتدخل السلطة السياسية في بعض القضايا المعروضة عليه، وهناك عدد من الحقائق في هذا الموضوع يجب إثباتها وتسجيلها.
الحقيقة الأولى: أن الكيان الصهيوني يرتكب بلا جدال جرائم وصفها هو بنفسه بأنها جرائم إبادة في حق الفلسطينيين، والثابت أيضًا، بصرف النظر عن الموقف الصهيوني، هو أن سياسة الإبادة والاغتيال الرسمية في الكيان الصهيوني هي جرائم وليست بطولات أو حقوق، كما يزعم الكيان والولايات المتحدة، وأن القائمين بها مجرمون يستحقون المحاكمة والعقاب.
الحقيقة الثانية: هي أن الاختلاف داخل العالم العربي حول الصراع السياسي في فلسطين بين فتح وحماس لا ينفي مطلقًا أن الذي يتعرض لهذه السياسة الإجرامية هو الشعب القلسطيني بقطع النظر عن انتمائه السياسي الداخلي، ولذلك لا يجوز للدول العربية أن تقف صامتةً إزاء هذه الجرائم، ولا بد أن تُعلن إدانتها لها بكل ثقة، وألا يكون صمتها موافقةً على الطروحات الصهيونية الباطلة، والتي تقول بأن الشعب الفلسطيني يمارس الإرهاب، وأن الإرهاب الصهيوني هو رد على هذا الإرهاب. والصحيح أن نقطة البداية هي الاحتلال الاستيطاني الذي يعتمد الإبادة أسلوبًا لإخلاء الأرض من سكانها، وأن مقاومة هذا الاحتلال بكل السبل حتى لو بدت إرهابية حق مشروع في الدين والسياسة والمنطق، فلا يجوز بعد ذلك أن تتردد الدول العربية في المجاهرة بإدانة المواقف الصهيونية، وهذا أضعف الإيمان.
الحقيقة الثالثة: هي أن إعلان الإدانة العربية للسلوك الصهيوني يجب أن يكون ترخيصًا للقضاء العربي بالنظر في هذه الجرائم؛ لأنها ببساطة جرائم ضد المجتمع الدولي من نوع جرائم إبادة وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وهي في ظني أقرب إلى الجرائم ضد الإنسانية؛ وفقًا للوصف القانوني الذي قدَّمته المادة الثامنة من نظام روما الأساسي؛ لأنه قتلٌ وتدميرٌ بِنيَّة الاقتلاع والحلول محله، فالنية الإجرامية أعلى بكثيرٍ من دافع الانتقام، وهو بالتحديد ما يكيفها على أنها جرائم إبادة (Genocide).
ومن الواضح أن الدول العربية تتعامل مع حقائق وليس مع تقديرات، وهذا يجب أن يُعطيها الشجاعة في التصرف مهما كان اعتراض الولايات المتحدة أو غيرها، ولا يجب أن ننتظر من الآخرين إنصافنا دون أن نُبادر نحن بإنصاف أنفسنا، وإذا حدث هذا فإن الكيان الصهيوني سوف يُفكِّر آلاف المرات قبل أن يقوم بأية جريمةٍ جديدة.
الحقيقة الرابعة: هي أنه وإن كانت الدعاوى التي ترفع على المتهمين الصهيونيين في بعض الدول الأوروربية لا تصل إلى غايتها المنطقية لاعتبارات سياسية، فإنه يكفي أن هذه الدعاوى تُعلن أسماء المتهمين من المسئولين الصهيونيين، ولا يجب أن نُقلل من قيمة هذا العمل بل يجب أن تتبناه أيضًا المنظمات الحقوقية العربية، وأن ينشئ المستثمرون العرب صندوقًا يُسمَّى صندوق العدل للفلسطينيين والعرب للإنفاق على هذه القضايا الباهظة التكاليف.
وقد رأينا القضية التي رُفِعت على شارون في بلجيكا بسبب صبرا وشاتيلا، وكيف أنها حرمت شارون من زيارة بلجيكا، وأن الحكومة البلجيكية لجأت إلى تعديل قانون الإجراءات الجنائية حتى يتمتع المسئولون في السلطة بالحصانة الجنائية.
نقول ذلك بمناسبة اتجاه القضاء الإسباني إلى إصادر مذكرات اعتقال دولية بحقِّ سبعةٍ من المسئولين الصهاينة المتهمين بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين، والاتصالات السرية التي جرت بين الحكومتين الإسبانية والصهيونية للتوصل إلى اتفاقٍ سياسي للحيلولة دون ملاحقتهم، خاصةً أن منظمات حقوقية إسبانية تتولى متابعة هذه القضية، وهي تتعلق بمجزرة واحدة من سجل مجازر عديدة لهؤلاء الصهاينة، والتي وقعت في حي الدرج في غزة في يوليو 2002م وراح ضحيتها 16 مواطنًا أبرزهم الشهيد صلاح شحادة القائد العام لكتائب القسام، وتشمل الدعوى شارون وابن آل عازر وزير الدفاع حين ذاك، وآفي دختر رئيس الشباك وبوغي يعلون رئيس الأركان ودان حلوتس المتهم بجرائم في لبنان 2006م حين كان رئيسًا للأركان، ولكنه في هذه المجزرة كان قائدًا لسلاح الجو الصهيوني، بالإضافة إلى غيورا أيلند رئيس شعبة العمليات في القيادة العامة ودورون ألموغ قائد منطقة الجنوب، وهذا وفق لما أوردته صحيفة (يدعوت أحرنوت) الصادرة في 4 أكتوبر 2008م.
وقد أُقيمت دعاوى أيضًا في لندن ونيوزلندا وفرنسا، ونأمل أن تتسع موجة الدعاوى لكي تلقى الرعب في قلوب هؤلاء الصهاينة، ولا شك أن الموقف العربي الذي أوصينا به سوف يُشجِّع الآخرين على ملاحقةِ هؤلاء المجرمين.
الحقيقة الخامسة: هي أننا لا يجب أن نيأس من تعقب هؤلاء المجرمين، وأن نتعلم منهم، فلا يزال الكيان الصهيوني يتعقب النازيين الذين تجاوزت أعمارهم التسعين ويتسلمهم من الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما، وتقوم بنفسها بتعقب هؤلاء أو ترشد عنهم أو تقوم بخطفهم ومحاكمتهم، كما حدث في قضية أحنمن في عام 1962م، وكأنَّ العالم قد سلَّم للكيان بهذا الحق، وإذا كان الهولوكوست الصهيوني أشد وطأةً من الهولوكوست النازي، فيجب أن يكون لدى العالم العربي الحق في تعقب النازيين الصهاينة وألا يترك هذا التعقب لمنظمات فردية أو وجود شخصية.
الحقيقة السادسة: هي أن الكيان والمنظمات الصهيونية تقوم برفع دعاوى ضد الفلسطينيين في المحاكم الأجنبية بسبب العمليات الفدائية التي تمت ضد الصهاينة سواء ضد الجيش أو داخل الكيان، والمعلوم أن القيادة الفلسطينية كانت أيضًا جزءًا من الدعاوى القضائية التي رفعتها المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة.
يقوم الموقف الصهيوني على أساس قلب الحقائق، فعندهم الشعب اليهودي شعب مختار ومعصوم وصاحب الحق، ومن حقه أن يبيد الشعب الفلسطيني الذي اغتصب أرضه طوال آلاف السنين، وهذا وَهْمٌ لا يقبل به العالم؛ ولذلك يجب كشفه وتعقُّب المجرمين الذين يدافعون عنه.
خلاصة القول.. أن توثيق الجرائم الصهيونية وتعقب المجرمين أمام القضاء الأجنبي هو مقدمة طبيعية للتحضير لتعقبهم أمام القضاء الدولي والعربي، وأن المحاذير السياسية التي كانت تتوهمها الحكومات العربية وهي حماية الولايات المتحدة للكيان الصهيوني قد بدأت تتزعزع سواء بالنسبة لرؤيتنا لمستقبل العلاقات الأمريكية الصهيونية أو لقدرة الولايات المتحدة على تغطية الجرائم الصهيونية التي لا يمكن سترها؛ ولذلك يجب أن تتشجع الحكومات العربية ويتشجع قضائها في فتح الباب للنظر في كل الجرائم الصهيونية، فإذا كان الدهر يومين، يوم لك ويوم عليك، فإن اليوم الذي جار علينا يكاد أن يولي.