يُثير استيلاء حماس على السلطة في غزة في يونيو عام 2007م عددًا من المسائل القانونية في علاقة غزة وحماس بالكيان الصهيوني، وفي علاقة غزة وحماس بالسلطة، وأخيرًا في علاقة غزة وحماس بالعالم الخارجي.

 

أولاً: الوضع القانوني لغزة إزاء الكيان الصهيوني:

لا شك أن الانسحاب العسكري الرسمي للكيان الصهيوني من غزة قد أتاح مزيدًا من العمل السياسي لحماس وسمح لها بأن تشارك في انتخابات يناير 2006م، وأفسح لها المجال للتواصل مع الشعب الفلسطيني من منظور الحركة السياسية والبرلمانية.

 

من حق المقاومة أن تعتبر أن قرارات انسحاب الكيان الصهيوني في جزءٍ منه على الأقل جاء بسبب ضغوط المقاومة على المستوطنين، ولا مانع من أن تسمِّيَ المقاومة الانسحاب الصهيوني تحريرًا لغزة من الاحتلال، بحيث تبقى للكيان دوافعه، ومن بينها أنه يريد أن يُنزل الضربات على غزة دون خوف من انتقام المقاومة من المستوطنين في غزة.

 

ولكن الانسحاب الصهيوني من الناحية الفعلية لم يكن تخليًا عن غزة أو إعلانًا لاستقلالها، ولكن يبدو لي أن هذا الانسحاب الذي جرى بغير تنسيق مع السلطة كان يتوقع ما حدث وأدَّى إلى استيلاء حماس على السلطة فيها، فكأن الانسحاب جزءٌ من مؤامرة أكبر للقضاء على حماس، وأسعدها ما قامت به حماس عام 2007م، ويبدو لي أيضًا أن التنسيق كان قائمًا بين رئيس السلطة والكيان الصهيوني عقب فوز حماس لتجميدها ثم للانقضاض عليها؛ لأن ظهور حماس على الخريطة السياسية بعد أن حققت الكثير في الساحة العسكرية كان تحديًا للكيان وفرصة له أيضًا.

 

ومن الناحية القانونية لا تزال غزة أراضيَ محتلة؛ لأن معيار الاحتلال هو معيار القدرة على السيطرة الفعلية، وهو ما يملكه الكيان الصهيوني في غزة؛ ولذلك يجب أن تعامل غزة في إطار اتفاقية جنيف الرابعة، وهذا ما هو مستقر في الأوساط الدولية.

 

من ناحيةٍ أخرى أعلن الكيان الصهيوني أن غزة "إقليمٌ مُعَادٍ"، وهو مصطلح غير مألوف في القانون الدولي، ولكن يمكن مقاربته بعلاقة بريطانيا بحكومة إيان سميت العنصرية في روديسيا الجنوبية عام 1965م؛ حيث أعلنت استقلال الإقليم دون التشاور مع السلطة الاستعمارية المسئولة، ولكن الفوارق فادحة بين الحالين؛ فبريطانيا كانت تريد مصلحة الأغلبية الإفريقية، وأثارت الموضوع لهذا السبب في مجلس الأمن، أما الكيان الصهيوني فهو يتخذ هذا الإجراء في إطار استمرار الاحتلال وعدائه لحماس وخطته في إخراجها من الساحة السياسية.

 

والهدف من إعلان غزة إقليمًا مُعَاديًا هو محاولة تبرير أعمال الإبادة ضدها ما دام شعب غزة قد قَبِل حكم حماس، وغزة بطبيعتها معادية إذا قورنت برام الله الصديقة، دون حاجة إلى إعلان، ولكن تظل الأعمال الصهيونية ضد غزة انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي الإنساني، وفي قلبها الاتفاقية الرابعة؛ باعتبار الكيان الصهيوني سلطة احتلال، كما أنه هو المسئول عما قامت به حماس في غزة، وربما أراد دفعها إليه، بما فرضه من حصار شاركت فيه أوساط دولية وعربية، كلٌّ له أسبابه ودوافعه.

 

خلاصة القول في هذه النقطة هو أن غزة أرض محتلة، وأن إعلانها من جانب الكيان الصهيوني إقليمًا مُعَاديًا لا يمكن أن يبرر أعمال الإبادة المتعددة الأشكال، الحرمان والقهر، والحصار، والانتهاكات والاجتياحات والمذابح والاغتيالات، ولا بد من تسجيل هذا السلوك الصهيوني، وكان تقرير "توتو" أحدث الأدلة الدولية على ذلك عن التحقيق في مذابح بيت حانون.

 

ثانيًا: وضع غزة بالنسبة للسلطة:

يُفترَض أن حماس جزءٌ من السلطة، ولكن استمرارَ الحصار والتصدي لعناصر حماس في السلطة واعتقال نصف المجلس التشريعي ورئاسته ونصف وزراء حماس، أعقبه أزمة بين حماس ورئيس السلطة ومع ظروف أخرى انتهت باستيلاء حماس على غزة.

 

لا شك أن هذا الوضع كان حصيلة تطورات بدأت بنجاح حماس في الانتخابات، فسعى الكيان الصهيوني إلى إثارة "فتح"، فالكيان يريد القضاء على حماس، و"فتح" لا ترتاح لهزيمتها ولا تطيق أن ترى عناصر أخرى تزاحمها السلطة حتى لو كانت في أرض محتلة، شأنها شأن الحكومات العربية المجاورة؛ فاتخاذ المصلحة، رغم اختلافها، أظهر شكلاً من أشكال التحالف بين رئيس السلطة الذي أقال حكومة هنية وعيَّن حكومة طوارئ تجاوزت أحكام الطوارئ في الدستور، فأصبح الصراع السياسي يتخذ أشكالاً وسلوكيات مختلفة، خاصةً أن الكيان الصهيوني يراهن على الحرب الأهلية الفلسطينية.

 

لا شك أن واشنطن والكيان الصهيوني وبعض الدول العربية ينظرون إلى أي نجاح لحماس على أنه انتصار للمقاومة والمنهج الإسلامي الذي قهر الكيان في لبنان عام 2006م؛ ولذلك فإن القضاء على تجربة حماس بدا قاسمًا مشتركًا بين أطراف كثيرة، ربما يمانع بعضها في نجاحها في المقاومة، ولكن ليس في الحكم، فهل غزة إقليم متمرد على سلطة أبو مازن؟ وهل ما حدث في غزة يعد انقلابًا حقًّا؟.

 

من الناحية الشكلية يبدو ذلك صحيحًا، ولكن المؤكد أن سيطرة حماس جاءت في سياق مواجهة المؤامرة الواسعة عليها؛ فالإقليم متمرد حقًّا على نهج أبو مازن تمردًا سياسيًّا ومنهجيًّا.

 

من الناحية القانونية، فإن إعلان غزة إقليمًا متمردًا سوف يكون تصعيدًا ونسفًا لمحاولات الحوار الوطني وإعلانًا بالحرب على حماس؛ مما يؤكد عزوف الأطراف الأخرى عن الاعتراف بحماس كسلطةِ أمرٍ واقعٍ، ويريد أبو مازن بذلك أن يحقِّق أحد هدفين؛ إما دفع حماس إلى الاستيلاء على الضفة فتصبح هي قوة احتلال تجد "فتح" سببًا في الاستعانة بالكيان الصهيوني لمقاومتها، والهدف الآخر استقدام قوات دولية أو عربية هذه المرة لإعادة السلطة في الضفة والقطاع إلى السلطة الشرعية التي يعترف بها المجتمع الدولي.

 

ولا يخفى أن الهدف من كل هذه الإجراءات والحصار هو دفع حماس إلى التخلي عن دورها السياسي، أو حرق أوراقها بالاعتراف بما أسماه أبو مازن الشرعية الدولية التي كانت تعني الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والدفاع عنها، فأصبحت عند أبو مازن تعني الاعتراف بالكيان الصهيوني؛ لأنه لا يهمه اعتراف أبو مازن الحليف، وإنما يهمه إحراق أوراق حماس بهذا الاعتراف، وهي لا تقل عن فتنة خلق القرآن.

 

أعتقد أن كل هذه المناورات تهدف إلى صرف الأنظار عن الأولوية المطلقة، وهي التوافق الوطني ورفع الحصار؛ لأن إستراتيجية أبو مازن والكيان الصهيوني هي اقتلاع حماس من المعادلة حتى يسهل إبرام اتفاق سلام دائم قبل أن يغادر أبو مازن مقعده، ولا أظن أن الكيان سوف يجد رئيسًا للسلطة بهذه المواصفات المثالية.