الصورة غير متاحة

د. حامد أنور

 

عندما يكون القانون هو إرادة الحاكم وإرادة الحاكم هي القانون؛ فإننا لا نكون أمام دولة، بل بالأحرى أمام "عزبة"؛ الحاكم هو صاحبها، والشعب هم مجموعة العبيد فيها.

 

عندما يصبح هوى الحاكم فرمانًا ورغبته أمرًا لا يُرَدّ فإننا نجعل الدول إقطاعيات، والبلدان ملكية خاصة، ويصبح وضعنا كما قال هدهد سليمان ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (النمل: من الآية 23)، فكيف نحمي الشعوب من مخالب الحكام ونمنع عنها تجاوز السلطات؟!

 

لقد حاول واضعو الدستور الأمريكي معالجة هذا الأمر، وجعلوا سلطات الحكم ومسئولياته متداخلة، فجعلوا للكونجرس صلاحية إصدار القوانين، ومنحوا الرئيس حق الاعتراض عليها، ثم جعل الكونجرس حق إبطال هذا الاعتراض الرئاسي بموافقة ثلثي الأعضاء، وجعل للمحكمة الدستورية العليا وحدها الصلاحية في إبطال أي قوانين تشريعية، ولكنهم بشر.. ألا يمكن أن يتعرضوا للإغراء أو التخويف؟!

 

يا إلهي!.. إنها حلقة مفرغة؛ لأن كل ذلك لم يمنع الاستبداد؛ فالدستور ينص على أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلَّحة، ولكن إعلان الحرب يملكه فقط الكونجرس، ومع ذلك قام إبراهام لينكولن بشن الحرب على ولايات الجنوب دون الرجوع إلى الكونجرس، ثم ألقى بعد ذلك خطبةً عصماء ليبرر فعلته، ثم أصدر قانونًا لإلغاء الرق؛ ليس حبًّا في الحرية، بل لإثارة الاضطرابات في الولايات الجنوبية.

 

وها هو بوش ألقى بجنوده في أتون حرب لا تشبع من دماء البشر، وستكون الهزيمة من نصيبه بإذن الله؛ لأن هذا هو قدر الله يا سيدة بالين، ويمارس التنصت على كل البشر بالقانون ويفرض رقابة على كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وإخفاء الحقائق عن الخسائر الأمريكية في العراق.

 

ثم ها هي أمريكا تتنكَّر للاقتصاد الحر وتتدخل لتأميم أكبر شركة تأمين في العالم، وتلقي بنظرياتها وقوانينها وراء ظهرها، ولا عزاء للمغفلين.. أين كهنة الاقتصاد الحر؟! سيظهرون بعد قليل؛ فهؤلاء ليس لديهم أية مشكلة.. يا إلهي!.. كيف ننقذ العالم من هذا الاستبداد؟
وإذا بالحزب الوطني يطل علينا من جديد؛ فبعدما انهارت أسس نظامه وتحطَّمت أسواره المهترئة يدعو إلى الدولة المدنية الجديدة، وهو لا يعلم أن ما يدعونا إليه هو الوهم، وأنه يَعدُنا السراب؛ فما يقوله متناقض كليًّا مع بعضه.. كيف يدعو إلى تمكين المرأة سياسيًّا ويفرضه علينا؟! ألا يتناقض ذلك مع الليبرالية التي ترفض الإملاءات وفرض الوصاية على البشر؟! ألا تُترَك الحرية للمجتمع في الاختيار؟! وكيف يقول إنه يحترم الدين ويستبعد كل أساس أخلاقي وتشريعي لهذا الدين؟! وكيف يقول إنه يرفض التمييز ويقصي أصحاب المرجعية الدينية؟! أليس هذا هو قمة التمييز؟!

 

وبعيدًا عن المتاهات بين المصطلحات والزخارف اللفظية، نتساءل: ما هي المنظومة التشريعية التي ستحكم بين المواطنين في هذه الدولة المنشودة؟ ما هي جملة القوانين التي سيتحاكمون إليها؟ هل هي المنظومة التشريعية الإسلامية أم منظومة القوانين الغربية والتي تعاني من خلل شديد فلا تجلب أمنًا ولا تردع مجرمًا ولا تكبح جماح نفس منفلتة؟

 

فالطلاق في المنظومة الغربية يقضي بأن تحصل الزوجة على نصف ثروة الرجل، وهذه حماقة غير مسبوقة؛ لأن الأمر سيتحول من رباط مقدس إلى "سبوبة" تحت مظلة الرأسمالية الغربية، والرجل سيرى في الزواج أمرًا محفوفًا بالمخاطر.. "انج سعد فقد هلك سعيد"، فيعرض عنه ويلجأ إلى وسائل أخرى؛ لذلك فإن عدد السكان ثابت في رومانيا منذ عشرين عامًا، وعدد المواليد في إنجلترا وفرنسا وألمانيا مجتمعات يساوي عدد المواليد في مصر.
بل إنك لن تستطيع أن تقوِّم ابنك الذي تتعب وتكد من أجل الإنفاق عليه فإنه قد يستدعي لك الشرطة، وعندما ننظر إلى إبداعات المسئولين في مصر فإن الأمر يزداد طرافةً؛ فقانون المرور يتخبط بين الوزراء، والتعليم يبكي من جهابذة المسئولين عنه، فيتم إلغاء السنة السادسة ثم تعود، والثانوية العامة سنة ثم سنتان مع التحسين ثم إلغاء التحسين ثم التفكير في جعلها ثلاث سنوات ثم تحولت إلى جثة هامدة على أيدي الجمل، فهل هؤلاء من سيقيمون الدولة المدنية المزعومة؟! هل أولئك الذين دخلوا في عداء مع كل الشعب أهل لهذه المرحلة؟! لقد طالب المعلمون بالكادر فأذلوهم، والأطباء بزيادة رواتبهم فهددوهم، والقضاة باستقلالهم فحاصروهم، وجموع الشعب بقُوتهم فجوَّعوهم ثم تحدثوننا عن "يوتوبيا" فاضلة.. إنه وهم جديد في ظلمات التيه.

 

لقد فقد الحزب الوطني كل أوراقه؛ لم يعد يملك شيئًا؛ فالشعب ساخط عليه، وكما يقول ميكافيللي في كتابه (الأمير في فصل الإمارات المدنية): "إن أسوأ ما ينتظره الأمير من شعب ساخط عليه هو أن يتخلى عنه هذا الشعب، أما ما يخشاه ويخافه من النبلاء الساخطين فليس مجرد التخلي وإنما المعارضة الجيدة الفعالة، ولما كان هؤلاء النبلاء بعيدي النظر فإنهم يكونون على أهبة الاستعداد لإنقاذ أنفسهم ويعملون على الانضمام إلى جانب الخصم الذي يتوقعون له الغلبة والنصر، وليس في وسع الأمير إلا أن يعيش مع نفس الشعب، أما بالنسبة إلى النبلاء فإنه يستطيع أن يحيا بدون أن يحاط بنفس الناس منهم؛ فبإمكانه أن يضفي عليهم النبالة أو يخلعها عنهم في أي وقت".

 

نعم.. يستطيع الحاكم أن يغيِّر صفوة القوم، أما جموع الشعب فلن يستطيع؛ فمثلاً رؤساء تحرير الصحف القومية قام الحزب الوطني بتغييرهم وجاء بأناس آخرين، ولكنه لا يستطيع أن يقوم بتغيير الجماهير؛ لذلك فقد يضحي الحزب الوطني برجال الأعمال وسيقوم ببعض المشروعات العملاقة كما نصح ميكافيللي في باب آخر من أجل تحقيق الشهرة وزيادة الشعبية، ولكن افتتاح مستشفى وتطوير الدخيلة والذي- ويا للعجب- يحقق أرباحًا، أو بناء كوبري ليس هذا إنجازًا؛ فعندما ينهار أساس بيتك فليس من الذكاء تغيير السيراميك.

 

إن الحزب الوطني يستغل بعض المناسبات الدينية ويتقرب إلى الجماهير الطيبة ويكرِّم العلماء وحفظة القرآن ويتظاهر بأنه حامي حمى الدين.

 

تبًّا له!!.. فلماذا إذن لا يقيم أحكام هذا الدين؟! إنها كروت خاسرة، إلا أن يعلم أن الأقدار فعلاً تعانده، يكفي أن مباريات كرة القدم التي حضرتها قيادات الحزب في الفترة الأخيرة للتقرب إلى الجماهير انتهت بخسارات مدوية.

 

يا جهابذة الحزب الوطني.. لقد انكشفت جميع الأوراق.