اقترح وزير الخارجية المصري فكرة إرسال قوات عربية إلى غزة؛ تكون مهمتها وقف الاقتتال بين الفلسطينيين، وبينهم وبين الكيان الصهيوني، وصرَّح الأمين العام للجامعة العربية بأن الفكرة لم يتم بحثها في الجامعة العربية، فما مدى وجاهة هذه الفكرة ومدى ضرورتها للشعب الفلسطيني؟
الملاحظات التالية قد تُلقي الضوء على الفكرة وتقييمها:
أولاً.. عندما كان القهر الصهيوني والاجتياحات تتزايد؛ تنادت الدول العربية بإرسال قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني من العدوان الصهيوني، ولكن الكيان وأمريكا والدول الأوروبية لم تتحمَّس لهذه الفكرة على أساس أن الكيان الصهيوني من حقِّه الانفراد بالفلسطينيين؛ حتى إنه رفض فكرة إرسال مراقبين؛ فهو يريد أن يقوم بأعمال الإبادة دون رقيب، وبالطبع لم تقترح الدول العربية إرسال قوات عربية حتى لا يقع الصدام بينها وبين الكيان الصهيوني، فتورط الدول العربية في صراع عسكري تعارضه واشنطن، ولا تريد أحدًا أن يدافع عن "الإرهابيين".
ولذلك فإن مجرد اقتراح من هذا النوع لم يقدَّم، خاصةً بعد أن ألزمت واشنطن والكيان الدولَ العربيةَ أن تكفَّ عن مساندة "الإرهاب" وشدَّدت واشنطن الرقابة على المساعدات الإنسانية الأهلية والفردية؛ لأن "الإرهابي" ومن يتصل به لا يستحق عطف أحد، بينما الكيان صاحب الحق في مطاردة الإرهاب ما دام يدافع عن نفسه!.
ثانيًا.. إن سمعة القوات الدولية في العالم العربي بالغة السوء، ولذلك فإن الحديث عن قوات دولية لحماية الكيان من حزب الله عقب عدوان 2006م كان يستفزُّ الرأي العام العربي، خاصةً في ظل القرار الجائر رقم 1701 وتبرئة الكيان من تبعة الدمار الوحشي الذي ألحقه بلبنان، ثم حدث في قضية دارفور أن أصرت أمريكا وبريطانيا وفرنسا على إرسال قرابة 30 ألفًا من القوات الدولية إلى دارفور بالقرار 1706، الذي يفرض الوصاية على كل السودان، وصوَّر رفض السودان لهذا الاحتلال الدولي على أنه تمرد على عملية السلام في دارفور، بينما تساند الدول الثلاث التمرد ضد الحكومة، وتقود تسخين الملف في مجلس الأمن والمنظمات الحقوقية وفي المحكمة الجنائية الدولية حتى يقبل السودان هذه الوصاية.
ثالثًا.. يشعر الرأي العام العربي بحساسية تجاه فكرة القوات العربية والإسلامية؛ كتلك التي دعت الولايات المتحدة لإرسالها لمساندة القوات الأمريكية في العراق ضد المقاومة.
رابعًا.. إن الانطباع العام في مصر بأن الحكم ضد حماس وحليف لأبو مازن كما أنه حليف لواشنطن والكيان؛ يجعل أي اقتراح مصري محاطًا بالشكوك وسوء النية، وهو في كل الأحوال لصالح الكيان وضد حماس، كما لاحظ الرأي العام المصري مدى التركيز الرسمي المصري على إطلاق الجندي الصهيوني شاليط دون التركيز الموازي على السجناء الفلسطينيين الذين يختطفهم الكيان من منازلهم، ولا مقارنةَ بين جندي في جيش الاحتلال دائم الاعتداء ومسئولين وبرلمانيين في السلطة من حماس يعانون في سجون الاحتلال، وربما تعمَّد الكيان استثارة الرأي العام المصري عندما يُشيع بأن الرئيس مبارك تعهَّد لأسرة شاليط بأن يُعيده آمنًا إليها، بل إن ورقة شاليط كانت في برنامج التهدئة ضمن تبادل الأسرى؛ فأصبح ملف شاليط يقابله فتح مصر معبر رفح؛ أي أن مصر أعطت الكيان الحق في الضغط على حماس بورقة معبر رفح، وهو تحت السيادة المصرية الكاملة؛ مما أقلق الكثيرين في أوساط الرأي العام المصري.
في ضوء هذه الإيضاحات يخشى الرأي العام المصري أن يكون الاقتراح المصري محاولةً لجسِّ نبض حماس، وربما كان الاقتراح محاولةً لتنفيذ مشروع أولمرت بتمكين أبو مازن من السيطرة على غزة، ولا ندري إن كان هذا الاقتراح الخطير، الذي لا تبدو منه أي مصلحة للشعب الفلسطيني، قد تم تداوله والتشاور بشأنه مع الدول العربية قبل إعلانه أم أنه تفكير مصري بصوت عال؟
وإذا كان الاقتراح مشبوهًا فلماذا تضيف مصر إلى رصيدها السلبي جديدًا يسيء إليها ويدفع إلى التساؤل حول حقيقة الدور المصري في فلسطين، خاصةً أن القاهرة تستضيف الفصائل الفلسطينية لتبحث عن قواسم مشتركة للحوار الوطني؟!