تُشكِّل فكرة "إرسال قوات دولية إلى أي مكان تحت أي ذريعة"... صورة قديمة جديدة من أشكال الوصاية العسكرية، وبالتالي فإن الحديث عن إرسال قوات دولية إلى قطاع غزة يندرج في هذا الإطار، ولهذا يتوجب على الشعب الفلسطيني بكافة فصائله ومنظماته وقياداته أن ترفض هذه الفكرة بكل أبجدياتها من الألف إلى الياء تفويتًا للأهداف المشبوهة التي تسعى هذه الأفكار إلى تكريسها على أرض الواقع، بإيجاد معادلة صعبة على الأرض من شأنها إلحاق المزيد من الضرر بالقضية الفلسطينية الرئيسية، والصراع مع الاحتلال الصهيوني، كما تساهم في تعزيز الانقسام الفلسطيني الداخلي وزيادة الهوة بين الأطراف الفلسطينية المختلفة.

 

دعوة محمود عباس المؤخرة إلى نشر قوات دولية في قطاع غزة؛ تمهيدًا إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة، تمثل صورةً من البلاهة والغباء السياسي، ومحاولة للابتعاد أكثر عن الشعب الفلسطيني وهمومه، ولذلك ووفق المعطيات الموجودة على أرض الواقع (استمرار الاحتلال، عبثية المفاوضات، تزايد وتيرة الاستيطان، الاعتقالات بين صفوف المواطنين، مصادرة الأراضي، تهويد القدس والأضرار بالمقدسات الإسلامية، جدار الفصل العنصري) كل ذلك يمنحنا إمكانية توقع النتائج التي يمكن أن تنجم عنها تلك الخطوة إن تمت بالفعل، ومدى التأثير الذي ستحدثه ليس على الساحة السياسية الفلسطينية وحسب، بل العربية والإقليمية كذلك من حيث الآتي:

 

- إن إرسال قوات عربية إلى قطاع غزة هو مطلب صهيوني خالص لما سيحققه لدولة الصهاينة من مكاسب كبيرة، من انشغال الفصائل العسكرية المقاومة بتلك القوات الدولية، وبالتالي "انحراف بوصلة المقاومة ونسيان الوجود الصهيوني وجرائمه"، وكذلك الدور السلبي الذي ستلعبه تلك القوات في حال أي تصعيد عسكري بين فصائل المقاومة في غزة وقوات الاحتلال، حيث ستعمل على قطع الإمدادات بكافة أشكالها لتلك الفصائل من خلال وجودها على الحدود، إضافةً إلى انتشارها على أرض الواقع وما قد تقدمه من معلومات مهمة إلى قادة الاحتلال.

 

- إرسال قوات دولية إلى قطاع غزة من شأنه أن يزيد الشرخ في المجتمع الفلسطيني، ويقوي الانقسام الحاصل، فنحن نعلم أن أغلبية الفصائل الفلسطينية ترفض هذا القرار (منها: الحكومة الفلسطينية الشرعية في غزة، حركة حماس، الجهاد الإسلامي، الجبهة الشعبية، ألوية الناصر صلاح الدين.. وغيرها) وبالتالي فإن هذه القوات ليست من أجل الشعب الفلسطيني بل من أجل سلطة فياض- دايتون ليس أكثر، وتبني موقف دون آخر والضغط على باقي الأطراف بما يرضي سياسة السلطة، وهذا الأمر سيزداد صعوبةً مع مرور الوقت عبر السلوكيات اليومية لهذه القوات على الأرض.

 

- المطلوب عربيًّا ليست قوات عربية، بل العمل سريعًا على كسر الحصار الضارب على قطاع غزة، وإنهاء معاناة مليون ونصف إنسان فلسطيني، وإذا كان أحمد أبو الغيط يرى الفكرة بأنها جذابة فإن الشعب الفلسطيني يراها مقيتة، ونعتقد أن المطلوب من مصر فتح معبر رفح أمام الطلبة الفلسطينيين، والمرضى من أطفال ونساء، وفتح المجال للحكومة الفلسطينية في غزة للانفتاح على بعدها العربي والإسلامي، المطلوب من الدول العربية أن تخرج قطاع غزة من الموت، وأن تضغط على الكيان الصهيوني لوقف ممارساته التعسفية، لا أن ترسل قوات احتلال جديدة للقطاع، وتمارس العهر السياسي تحت شعار المفاوضات والدبلوماسية.

 

- إذا كان لا مفر من تلك القوات، فإن الضفة الغربية هي الأجدر بها وليس غزة، فانتهاكات الاحتلال في الضفة في تصاعد مستمر من اعتقالات، وهدم البيوت ومصادرة الأراضي والممتلكات، وتهويد القدس، تستطيع القوات الدولية والعربية أن تأتي إلى الضفة وتسمح للمواطنين بالوصول إلى القدس للصلاة في شهر رمضان الكريم هذا أبسط شيء، وسادة رام الله عاجزين عن تحقيقه، وثمة شيء آخر لماذا رفض العالم، وفي مقدمتهم الدول العربية إرسال قوات حماية والشعب الفلسطيني يذبح يوميًّا وإلى الآن على يد الآلة الصهيونية، أين كانت تلك القوات من مجزرة حي الدرج، والشجاعية وبيت حانون، ومخيم جنين...؟ ألم يقدم الشعب الفلسطيني خيرة قادته وأبناءه شهداء، ألم يستبح المسجد الأقصى ويدنس من الصهاينة؟، فأين كانت تلك القوات...؟

 

- إن فكرة إرسال قوات دولية إلى غزة، لا تحمل بطياتها أي مصلحة للشعب الفلسطيني ولا تفتح أمامه أفق سياسي أو نضالي أو عسكري أو اقتصادي، بل تعتبر بنظر البعض عدة خطوات إلى الخلف في المشروع الوطني التحرري، والذي ضحى هذا الشعب بكل ما يملك من أجل تحقيقه، ومن ثم لن يكون لها أثر في تحقيق المصالحة الوطنية بين الفصائل الفلسطينية، بل ستعمل على تأجيج المواقف حين تدعم فريقًا دون آخر، إضافة إلى دورها العسكري في ملاحقة المقاومة ومحاولة تعطيلها والإضرار بها... فهي مهما تكن لن تستطيع الخروج من الثوب الصهيوأمريكي.

 

- إن رفض إرسال قوات دولية إلى قطاع غزة يجب أن نتبناه بكل قوة ليس لأن الحكومة الشرعية التي فازت بانتخابات المجلس التشريعي، بأصوات الشعب والمخولة عنا بإصدار القرارات، واتخاذ السياسات التي تراها مناسبةً قد قررت ذلك وحسب، بل لأن جميع فصائل النضال والمقاومة الفلسطينية، يرفضون هذه الخطوة ويعتبرونها احتلالاً جديدًا، ولإيماننا الثابت أيضًا بأن هذه القوات لن تقف في وجه قوات الاحتلال يومًا، ولن تدافع عن حقوقنا ولن تحقن دماءنا، بل ستأتي لتكون وصيةً على الشعب الفلسطيني وفق المنظور الصهيوأمريكي.