منذ أكثر من 34 عامًا وأنا أسافر على خطوط سكك حديد مصر المشهورة باختصار "س ح م"، وحقيقته التي أدركناها بعد كل هذه السنين "سيبني حاروح ماشي" وهو اختصار يليق بأداء دولة مثل مصر تمت سرقتها تحت بصر أبنائها لصالح حفنة من البشر الفاسد في ذاته والمفسد لغيره على مر العهود خلال الخمسين عامًا الأخيرة لحساب أنظمة يمكن اختزالها في الحروف "ب ب ب" أي "بطالة وبؤس وبجاحة"!!
لكني وجدت تعديلاً تم على أرض الواقع؛ حيث صارت الاختصارات "م م م"، تعني كما نرى على عربات السكك الحديدية "مطورة مميزة ومكيفة"، والحقيقة أن النظام المصري فشل بامتياز في قيادة قطار ليصل في موعده منذ سنوات طوال، فكيف ينجح في قيادة دولة بحجم مصر!، فلم أجد تفسيرًا لها سوى "مناكفة ومرمطة ومسخرة"، وآخرها يوم الأحد الماضي؛ حيث جاء القطار متأخرًا أكثر من 45 دقيقة، وتوقف كثيرًا حتى وصل القاهرة بعد موعده بساعتين ضاعت فيهما مصالح ومواعيد والتزامات أصابت أصحابها بحالة من الغضب والهياج بلا فائدة!.
فقد فات أحدهم موعد طائرته، وآخر موعد لقاء اختبار للعمل، وآخر لقاءات مهمة مع عملاء وموردين، وآخر من القضاة تأخَّرت جلساته وآخر أُلغيت اجتماعاته دون أن يكون هناك من يسأل أو يعتذر أو يبرر!!.
لقد اختفى الجميع ولم أجد بدًّا من الذهاب إلى ناظر محطة مصر بالقاهرة.
وقلت له: لما الواحد يبقى غضبان وحزين وعايز يفش غله يعمل إيه؟.
رد بقوله: عايز تضرب حد؟.
قلت: لا طبعًا، كيف أحصل على حقي بعد تأخير أكثر من ساعتين بدون مبرر ولا اعتذار، أريد أن أثبت هذا التهريج الذي يسود مرفق السكة الحديد منذ فترة ليست بالقصيرة أعمل إيه؟!.. قل لي.
فابتسم وقال: عندك حق والله، ممكن تكتب شكوى وتسلمها لي.
قلت: طب وبعدين؟ إيه تأثيرها؟.
رد قائلاً: أصل فيه تصليحات على الطريق ممكن تكون سبب التأخير؟.
قلت له: شروطها أن تكون معلومة وليست سرية، ثانيًا هي دائمًا المفروض أن تكون ليلاً، ثالثًا ليست كل القطارات تتأخر هكذا على الخط الواحد!.
قال: عندك حق برضه!.
قلت: طب أعمل أيه عشان المتخلفين والباردين المسئولين عن هذا المرفق يتحركوا.. تقترح أعمل إيه؟.
قال: أنا متفق معاك لكن شوف اللي يريحك واعمله!.
شكرته رغم عجزه وهو ناظر محطة، ومن أسف أن غيره في أي مكان محترم بعيد عن مصر له صلاحيات ومسئوليات يخفف بها الأخطاء ويرفق بها مع المتعاملين ليحقق مصالح الناس ويقدم خدمةً متميزةً هي حق أي المواطن في بلده!، لكن "نعمل إيه في مصر؟!".
إذا تأخرت عن دفع رسوم النظافة التي لا يقابلها جمع قمامة تُحال إلى المحاكمة, وإذا فتحت محلاً أو أجريت إصلاحات في بيتك تجدهم فوق رأسك يطالبونك برسوم متعددة دون أي مقابل من خدمات أو حمايات!، حتى قانون المرور الجديد انشغل بالغرامات دون إصلاحٍ يُذكر في خدمات المرور أو تحقيق السيولة أو توفير الجراجات أو أماكن الانتظار، بل لم يهتم القانون في متنه بإلزام المسئولين بتوعية المواطنين بحقوقهم أو بالمخالفات وطبيعتها أو بآداب المرور، ولم يشترط القانون توزيع كل المعلومات المطلوب العلم بها أثناء تجديد الرخص أو استخراج رخص القيادة!؛ لأن الهدف ليس تعليم الناس حقوقهم وواجباتهم أو حل مشكلات مرورية، بل المطلوب تفريغ جيوبهم من الأموال ليستمتع الكبار بموارد للدولة التي نهبوها ومكافآت؛ نظرًا للمجهودات التي بذلوها!.
إذن الدولة تستطيع أن تأخذ حقها من الناس جبرًا وقهرًا وغصبًا، لكن في ظل الاختلال الحادث يصعب على المواطن المصري أن يأخذ حقه من الدولة إذا أهملت، وليس لدى هذا النظام سوى المواجهة الأمنية لمن فشلت في توفير مياه الشرب أو الري لهم!، والحصار والإهانة في مواجهة من افتقد أمنه الغذائي ولم يجد رغيفًا يطعم به أبناءه وأسرته.
ماذا قدَّم النظام للشباب العاطل الذي أفسد تعليمه وأخلاقه سوى "الطناش" والتهديد باستخدام العنف في مواجهته لو فكَّر في أن يعتصم أو يطالب بحقوقه بصوت عالٍ؟! كل الحقوق الواجب على الدولة توفيرها للشعب والتي فشل النظام المصري في تحقيقها، ليس لها إلا الإهمال أو العناد أو المواجهة إذا طالب صاحب الحق بحقه، وليس هناك أي ضمانات تسمح للمواطن بأن يقتص من الحكومة إذا ما قصرت في حقه!.
من يأخذ حق من لم يجد مكانًا لسيارته أو شارعًا ممهدًا يمشي عليه، أو كوب ماء نظيفًا أو غذاءً صحيًّا؟!! من يمنح المواطن حقه في علاج صحيح ناجع ويحاسب المقصر؟! حتى القضاء إذا لجأ إليه المظلوم وحصل على أحكام، فدولة الظلم لا تنفذ أحكامًا ضدها أو ضد رجالها، وهنا تسقط الشرعية تمامًا عن النظام، ويبقى وحيدًا لا يجد سوى العضلات ومزيد من العنف في مواجهة الشعب الأعزل إلا من الإيمان بربه العادل الذي لا يظلم ولا يرضى الظلم لعباده إذا انتفضوا من أجل حقوقهم، الأعزل إلا من ثقته في نصر ربه إذا نصره والتجأ إليه والتزم بدينه، الأعزل إلا من حسن ظنه بربه فالتزم بعداوة من حاد الله ورسوله ومارس أضعف الإيمان، وهو إنكار المنكر والأمر بالمعروف والالتجاء إلى السلاح الفعال "الدعاء سلاح المهمومين".
وهذا ما أدعوكم إليه في هذا الشهر المبارك شهر الصبر والمصابرة والمقاومة.. دعوة إلى أن نتسلح بالدعاء كي نأخذ حقنا من هؤلاء "بالإيمان والالتزام وحسن الظن والدعاء"، وكلها من أشكال المقاومة الإيجابية وليست السلبية كما يظن البعض؛ فكلها يصب في عكس اتجاه الهدف الذي يتبناه هذا النظام الفاسد المفسد الظالم الجهول، وما أدراكم ما الدعاء في هذه الأيام المباركة! فلقد اهتزت عروش وتقوَّضت أنظمة بفضل دعاء مخلص من قلب موصول بالله عز وجل يستشعر الحرية فلا يستعبده أحد كائنًا من كان.
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
إن صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب
وصدق مَن قال: "إن دعاءك ربك عبادةٌ أخرى وطاعةٌ عظمى، وإن عبدًا يجيد فن الدعاء حري ألا يهتم ولا يغتم ولا يقلق، كل الحبال تنصرم إلا حبله، كل الأبواب توصد إلا بابه، وهو قريب سميع مجيب؛ يجيب المضطر إذا دعاه، يأمرك- وأنت الفقير الضعيف المحتاج وهو الغني القوي الماجد- بأن تدعوَه.. ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: من الآية 60).
إذا نزلت بك النوازل وألمَّت بك الخطوب فالهج بذكره، واهتف باسمه، واطلب مدده، واسأله فتحه ونصره، مرِّغ الجبين لتقديس اسمه لتحصل على تاج الحرية، وأرغم الأنف في طين عبوديته لتحوز وسام النجاة، ومد يديك، وارفع كفيك، وأطلق لسانك أكثر من طلبه، بالغ في سؤاله، ألح عليه، الزم بابه، انتظر لطفه، ترقب فتحه، أَشِدْ باسمه، أحسن ظنك فيه، انقطع إليه، تبتل إليه تبتيلاً حتى تسعد وتفلح" رغم أنف أعدائك وأعدائه، فالزم تسعد، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
دبوس مشبك
لم أخص دعاءً بذاته، بل يكفي ما يخرج من قلب كل مهموم في هذا الوطن ليدعوَ بإخلاص في وقت إجابة على كل ظالم أفسد حياتنا في مصر "الموكوسة" بحكامها، اللهم علينا الدعاء وعليك الإجابة.. اللهم آمين.
---------
* دكتور محمد جمال حشمت- g.hishmat@gmail.com