دُهست رقاب المواطنين وأجسادهم بالجبال العتيقة ففرمتها وسحقتها!!
دُهست أجسادهم، صغيرةً وكبيرةً، لينةً وغضةً، قويةً وضعيفةً، أصبحت جُزءًا من الجبل العتيق الشاهق الذي رُدم على أعناقهم؛ فلم تعد هناك أجساد ولا آدميون، أصبحت هُناك صخور، وصخور فقط.
أُسر بأكملها وأطفال صغار يلهون ويلعبون وفي مأمن تمامًا من أي أذى، نهاية تفكيرهم أن ينظروا أمامهم حتى لا يصطدموا بصخرةٍ أو ينزلقوا في مياهٍ فيقعوا؛ إلا أنهم لم يتصوروا أن ينظروا فوقهم لينظروا إن كان جبلاً سيقع عليهم من فوقهم ليهشم رءوسهم ويساويَهم وجميع بيوتهم وكُل منطقتهم وجميع جيرانهم الذين يسكنون حولهم بالمئات المئات، بالأرض ليطحنهم فلا يرون النور مرة أخرى.
صدمةٌ عظيمةٌ هي؛ تأتي بعد مجموعة من الصدمات المتتالية، وكأن حريق مجلسي الشورى والشعب أقسم على ذاته وآلا على نفسه أن يجعل في الصدمة القادمة والكارثة التالية خسائر في الأرواح وليس في المباني فقط.
لم يُرحم الكادحون المطحونون من هذا الشعب من غلاء الأسعار، ولا من أزمة السكن التي كانوا يعيشون فيها، ولا من البطالة ولا من الجهل، فأتى الجبل ليُكمل مسيرة الإنهاء، إنهاء حياة المساكين المجهولين.
إلا أنها هذه المرة أتت في الأرواح وليست في الأرواح فقط، بل في أرواح أطفال صغار ونساء وشيوخ كانوا يسكنون في مناطق فقيرة جدًّا، معدمة، في ظروف تأنف الإنسانية وترفض أن يُطلق اسمها على تلك المناطق.
كُنت هناك قبل شهر، فتعجبت كيف يعيش هؤلاء المواطنون في هذه المنازل وفي تلك المنطقة ذات الظروف الحياتية المعدمة المُستحيلة الصعبة، كُنت هناك وفقًا لزيارة ضمن أحد برامج التنمية، وكانت هذه المنطقة مثالاً للعشوائيات الموجودة في مصر، سألنا المُرافق لنا: كيف يعيش هؤلاء البشر هنا؟ فأخذ يُحدثنا عن الأوضاع الصعبة التي يعيش فيها هؤلاء المواطنون والتي كُنا نراها بأُم أعيننا؛ كل أسرة ولو من ستة أفراد يعيشون في حُجرة واحدة، وكُل حوالي ست أسر لهم حمام مشترك!.
مأساة وأية مأساة، وأجاب بأن مبانيَ جديدة قد ُبنيت وسوف يرحلون إليها وفقًا لشروطٍ وإجراءات مضبوطة ومُحددة وذلك بسبب الخطر الذي قد يتعرضون له من سقوط الجبل عليهم، وأنه بالفعل من المُحتمل أن يسقط هذا الجبل على المواطنين؛ لذلك فإنه قد تم بناء وحدات سكنية جديدة وسوف ينقلون إليها!! لكنه من العجيب، أنه من هُنا وحتى الانتهاء من الإجراءات المضبوطة هذه واستكمال مشاريع البناء، ليعيش هؤلاء المواطنون الغلابة تحت احتمالية الموت إذا وقعت عليهم الصخور، وكأنهم جراد أو طابور نمل، إذا قُتل بالفساد والإهمال فليست مُشكلةً وليس أمرًا خطيرًا.
وَقَع الجبل، نعم.. وقع الجبل على مئات الأرواح، ومات العشرات، وتحت الأنقاض المئات، مئات دُهسوا تحت أجزاء من الجبل تزن أطنانًا، ويصعب أن يُعثر عليهم إلا بإزاحة هذه الصخور!! ولن تُزال الصخور؛ لأنه لا يوجد أحد يهتم بإزالة الصخور بشكل جدي ويصعب أن تُزيح صخورًا تزن أطنانًا وأطنانًا، وهل هُناك إمكانيات وتقنيات تؤهل القائمين للقيام بذلك وانتشال الجثث أو المختنقين تحت الأنقاض؟! وهل حياة الإنسان رخيصة لهذه الدرجة الهائلة حتى تُترك حياة مئات الأشخاص (منطقة سكنية كاملة) معرضة للخطر وللموت؟!
لكن الواضح والجلي أن حياة هؤلاء الغلابة لم تكن تُهم المسئولين وأصحاب الأمر وهم أحياء، حتى تشغلهم وتُهمهم وهم أموات مقتولون ظُلمًا بظلم الفاسدين المُهمِلين المُرتشين.
لكن يبدو أن تلك الأرواح لم تكن من الأهمية بمكان حتى يُخرج أهلها ولو بالقوة منها وتوفير مساكن مناسبة لهم تُئويهم وتكفيهم بدلاً من أنهم اليوم مدفونون تحت جبال قاسية؛ الحي منهم كالميت إن لم يكن أصعب حالاً وأذل موقفًا، رجل يموت موتًا بطيئًا، يسمع الناس صوته ولا يستطيعون أن يصلوا إليه لينقذوه، يصرخ ويصرخ ويصرخ، ثم يخفض صوته، ويخفض صوته، ثُم يتلاشى إلى غير رجعة.
حينما كُنت في هذه المنطقة قبل الحادث شاهدنا سورًا محيطًا أعلى الجبل، سألنا المرافق: ما هذا؟ فأجاب بأن خلفه يتم مشروع إعمار (فاحش الثمن، كما عبَّر حينها أحد الزملاء)؛ لذلك فإن المسئولين من اللطف والأناقة رأوا أن يحيلوا ويحجزوا ويمنعوا الرؤية بين كلا الجانبين، وبالمرة مراعاةً لشعور الجانبين؛ حتى لا يتأذى الإخوة المواطنون الأغنياء من مُشاهدة الكادحين الفقراء المُعدمين فتنهار أعصابهم، وبالمقابل حتى لا ينهار الفقراء المطحونون بالعمارات الفاخرة والأبنية العالية فتُملأ قلوبهم بالحقد والحسد عليهم.
ذهبت مرةً أُخرى بعد الكارثة، فلم تعد المنطقة هي المنطقة، رأيت الجبل الذي كان عاليًا في القمة، قد استراح على رءوس الناس على الأرض وتفتتت أجزاؤه، وأصبحت صخورًا قاسيةً جدًّا متناثرةً على الأرض، تخيلت كيف هوت هذه الصخور من أعلى الجبل على رقاب الناس، أمر يصعب تخيله أو تصوره.. بشاعة شديدة.
هُناك تقفز بين الصخور من صخرة أعلى إلى صخرة دونها، وما بين الصخور مؤكد أن هُناك أمواتًا، مؤكد أيضًا أن عددًا لا بأس به من المفقودين تحت الأنقاض فقدوا حياتهم بسبب إهمال المسئولين في الإنقاذ وعدم الجدية والسرعة في اتخاذ الإجراءات واستخدام التقنيات الحديثة في استخراج الموتى والمفقودين.
أثناء وجودي في المنطقة أخرج الأهالي (وبالمناسبة فإن الأهالي فقط هم الذين يبحثون وقلة قليلة من رجال الإنقاذ).. أخرج الأهالي طفلةً صغيرةً أخبرنا الأهالي بأن عمرها أسبوع، وسمعنا صُراخَ بعض المفقودين الذي بدأ عاليًا ثُم تلاشى دون رجعة.. مناظر تدمى لها القلوب وتدمع لها العيون، كارثة لا أستطيع وصفها، فقط تُحدثك الصورة عن معالمها، إلا أن دماء هذه الطفلة البريئة الصغيرة ستلعن عند ربها هؤلاء الظالمين الفاسدين، وستذهب إلى ربها لتشكوَ له ظُلم هؤلاء.
إن ما حدث هذا لا بُد أن يدفعنا إلى ذكر بعض الأمور:
1- إلى أية درجة وصلت قيمة المواطن المصري عند النظام الحاكم والمسئولين حتى يتركوه مُعرَّضًا للخطر والموت والدهس بصخور الجبال؟! ألم يكن يكفيه غلاء الأسعار وطوابير الخبز؟! هل ظن هذا النظام أنه يحكم طوابيرَ من النمل؛ لا بأس أن يدهس ويقتل المئات منهم؟! فإذا كان يعلم أن هذا الجبل قد يسقط.. لماذا ترك مئات الأسر تحت تهديد الموت؟!.
2- كيف تتعامل الأجهزة الإدارية المسئولة عن عمليات الإنقاذ مع الكوارث؟! وما هي مهمتها؟! وما هو دورها في مثل هذه الأمور؟! وعلامَ تتقاضى رواتب وتأخذ مناصبَ وهي فاشلة في أداء دورها، عاجزة عن القيام بمهمتها؟! وأين التقنيات التي لطالما أزعجتنا أجهزة الإعلام بأن الدولة تمتلك أحدث التقنيات والإمكانيات الصناعية؟! أين بضاعتكم يا قوم لإنقاذ الأحياء المفقودين وانتشال الأموات؟! أم أنكم لا تحسنون إلا الكلام والحديث، وفي ميادين العمل تقفون أصفارًا كبيرة؟!.
3- ماذا بقي في هذا الوطن لم يحدث؟! كُل شيء قد حدث، انخفض السقف إلى أدنى درجاته حتى لامس الأرض؟ فماذا بعد فقد الإنسانِ حياتَه نتيجة إهمال وفساد؟! ماذا بقي ولم يحدث لهذا الشعب؟! فلماذا يبقى هؤلاء المسئولون في أماكنهم؟! ولماذا يبقى الشعب صامتًا أمام إهدار كرامته وانتهاك إنسانيته إلى هذه الدرجة؟!.
4- كيف سيتعامل المسئولون مع هذه الكارثة بعد ذلك؟ هل سيردمون على المفقودين أمواتًا وأحياء (إن كان قد بقي أحياء) ويُعلنون هذه المنطقة مقبرةً جماعيةً كما حدث في الانهيار السابق ليُريحوا أنفسهم من هذا التعب وتلك المشقة وتُصبح هذه الكارثة ذكرى في ذاكرة مصر الحزينة التي تعددت أحزانها وصعبت على العد والإحصاء؟!.
أخيرًا.. قبل أن أنصرف من مكان الكارثة وأنا بين الصخور الواقعة والبيوت المهدَّمة، جذبني منظر ووقفت أمامه كثيرًا أتأمله، رأيت الشمس تغرب من خلف الجبل، في منظر بديع جميل، وهي كبيرة جدًّا، لكنها تغرب، ويتضاءل نورها، وينكمش ضياؤها، فحدثتني نفسي بأن شمس الفساد قد حان غروبها، وشمس الظلم قد حان أن ترحل بلا عودة، فكُلما اشتد الظلام اقترب الفجر أن يطلع والشمس أن تسطع، وإن أشد ساعات الليل ظُلمة هي الساعة التي تسبق الفجر، فصبرًا، فوالله.. ستغرب شمس الفاسدين ولن تعود، وسيُمحى هؤلاء الفاسدون وسينتهون.
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرِجَت وكُنت أظنها لا تُفرج
--------
* مواطن من مصر