![]() |
|
د. محمد سعد |
مصر التي كانت ملهمِة العرب وحضنها الدافئ وأملها الثوري يتضاءل حجمها إلى هذا الحد المهين ووصلت الأمور إلى أن مصر بشعبها وتاريخها لا يشار إليها حتى بالاسم في جهود حل الأزمة اللبنانية أو تسوية الأزمة السورية.. هل من المعقول أن تتولى قطر كل هذه الملفات؟!!.
والواضح من متابعة ذلك المشهد أننا أمام نظام لا يدري حجم مصر وقدرتها، وأصبح من الأمانة الآن العمل على إيجاد نظام يعي حجم البلد التي يديرها ويدرك مكانة الأرض وبُعدها الجيوسياسي في محيط يتطلع إليها، مختارًا إياها لتقوده وتحدد مساره في مرحلة من أخطر مراحل تاريخنا.
هناك عدة مؤشرات تدل على أن نظامنا الحاكم في مصر ينسحب من ملفات عربية مهمة، مهددًا أمننا الإستراتيجي، داعمًا توجهات أمريكية بل وصهيونية من أجل استمراره في الحكم وبأي ثمن، وأدلل على كلامي بثلاثة أمثلة فقط:
أولها: ذلك الانسحاب الواضح من الملف الفلسطيني وحصره في زاوية ضيقة فقط تتعلَّق بالترتيبات الأمنية وضبط الحدود والقيام بدور الوسيط الصهيوني، بل وتبني وجهة نظره في الحل، وكل هذا من أجل عدم التمكين لقوة فلسطينية واعدة هي أحد أجنحة الإخوان المسلمين عدو النظام التقليدي في مصر، وعلى حساب الأمن القومي المصري الذي خاض قُوَّاده العظام كل حروبهم على أرض غزة بوابتنا الشرقية، وتكون مصر أداةً لحصار الشعب المقاوِم في غزة بدلاً من أن تكون داعمةً لصموده، بل وعاملاً من عوامل شق الصف الفلسطيني عن طريق دعم فصيل على حساب الآخر؛ مما حرم مصر من دور الوسيط النزيه بين الفرقاء الفلسطينيين.
ثانيًا: لعلنا نلاحظ منذ سنوات غيابًا كبيرًا للدور المصري على الساحة الإفريقية بل وفي حديقتنا الخلفية في السودان حين عادى نظامُنا النظامَ السوداني لمجرد أن هناك شبهة تقارب فكري لقادة جبهة الإنقاذ مع أفكار الإخوان المسلمين في مصر، وكانت الحرب الضروس من وسائل إعلامنا على النظام السوداني لعقود، وأنا هنا لا أعفي النظام المصري من جزء كبير من الأزمة السودانية الداخلية في الجنوب أو الشرق أو في دارفور، وبعد فوات الأوان وبعد أن ثبَّت الصهاينة أقدامهم في الجنوب؛ حيث منابع النيل وحيث رقبتنا التي أصبحت في أيديهم.
وفرَّط النظام المصري في القارة السمراء التي كانت فضاءً رحبًا لتمارس مصر فيه دورها القيادي الملهم، مفسحًا المجال للتمدد الصهيوني يعبث فيها من أقصاها إلى أقصاها، بل ويحاصرنا من الجنوب ويتحكم في منابع النيل في إثيوبيا وجنوب السودان.
ثالثًا: في المشكلة اللبنانية الأخيرة ظهر في البداية دور للوساطة مالت فيه مصر بوضوح إلى جانب الموالاة على حساب المعارضة؛ مما أجهض ذلك الدور في بداياته الأولى.
وتأكدت هذه الرؤية في الأحداث الأخيرة في المواجهة بين حزب الله وتيار المستقبل، ولنراجع الجرائد المصرية الحكومية وكيفية تعاملها معها، وكأنك تقرأ الجرائد الصهيونية وليست المصرية؛ مما حرم مصر إمكانية القيام بأي أدوار مستقبلية للعب دور مهم في المعادلة اللبنانية.
ولعلنا لا نستطيع أن نغفل حساسية النظام المصري من أية حركة مقاومة، وخاصةً إذا كانت تتخذ من الإسلام مرجعية لها كحزب الله اللبناني.
وفي الختام نخلص إلى أننا أمام نظام مرتبك لا يعرف موطئ قدميه، بل أصبح خطرًا على أمن بلاده في ظل تبنيه أجندة أمريكية؛ الرابط فيها هو العداء لقوى الممانعة، وبخاصة الإسلامية منها، من أجل أن يحصل على اعتماد الجودة الأمريكي يزيد فيها من صلاحيته لسنوات، ولكنه للأسف هو مجرد تغيير للغلاف الخارجي؛ لأن البضاعة فاسدة، ولم يعد يجدي فيها الإصلاح.
نظام مشغول بملفات تخصه هو وتشغله هو، منكفئ على ذاته، يرتب لأمور من قبيل التوريث أو التفكير في الاستحواذ على السلطة لفترات قادمة، ولا تشغل باله قيد أنملة جيوش العاطلين أو طوابير الخبز أو مئات المحترقين في القطارات أو الغارقون في العبَّارات أو المدفونون في انهيارات المقطم أو طوابير مرضى السرطان أمام مستشفيات لم يَبْنِها هو، بل بُنِيَت بالجهود الذاتية من أموال شعب مصر.
