(1)

لم يجد قلمي سبيلاً إلى كتابة ما حدث أثناء حريق مجلس الشورى، وقد تُحُدِّث عن تداعياته وامتلأت الدنيا حينها حديثًا عن عدم المبالاة وعن التأخر وعن المصيبة وعن الخيبة التي حلت بأجهزة الدفاع المدني بمصر، والتي وقفت عاجزةً أكثر من عشر ساعات أمام نيران في مساحة لا تتجاور مئات الأمتار.

 

وعندما هممت بالكتابة عن فضيحة تزاوج رأس المال والسياسة والجنس معًا في آنٍ واحد في قضية هشام طلعت مصطفى؛ رأيت أن الحديث عن مثل هؤلاء القوم يعطيهم حجمًا أكبر من حجمهم الحقيقي الذي لا بد أن يكونوا فيه ولا يخرجوا منه أبدًا، خصوصًا أن وكالات الأنباء والصحف والمحللين وجدوا فيها مادة إعلامية سائغة للشراب والكتابة والحديث، مع أن تلك القضية ليست المرة الأولى التي تتداخل فيها قضايا السياسة بالمال، لكنها الأكثر إثارةً على الإطلاق؛ لاحتوائها على "البهارات" اللازمة "للحبكة" الصحفية والإعلامية الضخمة، وارتباطها أكثر بالجانب الخفي من رجال أعمال النظام الحاكم؛ الذين زادت سطوتهم وخلافاتهم خلال السنوات الأخيرة بشكلٍ فاق كل التوقعات.

 

على العموم فمن وجهه نظري المستفيد الأكبر من حادث الانهيار الصخري هو هشام طلعت نفسه؛ الذي ستأخذ قضيته راحةً سلبيةً من وسائل الإعلام لظهور نجم جديد ستهتم به وتعمل من أجله الأقلام والأفهام.

 

(2)

لن تستطيع كلماتنا أن تبرِّد حرارة قلوب الأهالي والضحايا أو أن تطفئ نار الحزن الخارجة من صدورهم وهم يرون كتلاً صخرية يزن حجمها أكثر من ثمانين طنًّا ويصل ارتفاعها إلى ثلاثين مترًا، فوق مباني أهلهم وذويهم وأقربائهم وقد سوَّتها بالأرض؛ فالمأساة أكبر من أن تتحملها العيون أو تستمع إلى رواياتها الآذان، خصوصًا بعدما تسمع وتشاهد وتقرأ التحليلات والدراسات وحديث المتخصصين أن ما حدث كان متوقَّعًا، وأن هناك مناطق أخرى في سبيلها إلى الانهيار، وأن الضحايا في سبيلهم إلى الدار الآخرة.

 

وفي كل مرة نتحدث فيها عن فاجعة أو حادثة تسبَّبت في مقتل المصريين لا نجد أمامنا غير الفساد والإفساد؛ بدايةً من أصغر الموظفين حتى كبيرهم الذي تُرَصُّ أمامه الصفوف وتُرفع له الأيادي.. دائرةٌ محفوظةٌ من فساد الإدارة الذي يترتب عليه فساد في المواقف والقرارات التي تلامس بشكل أساسي حياة المواطن البسيط الذي يصبح الضحية في نهاية المسلسل الدراماتيكي بمصر.

 

وحينما استمعت إلى حديث السيد محافظ القاهرة رأيت كم نحن مهمشون؛ ليس لنا وزن أو قيمة، وكأن سيادته وجهازه الذي يرأسه في منأى عن الموضوع، وأن القضاء والقدر هما الجناة؛ فالموضوع ببساطة يا سادة حصرٌ للمتضررين وإعداد الكشوف لتقديم التعويضات.

 

والحقائق والمعلومات ترد إليك من وقت لآخر، المساكن مُعدَّة وجاهزة لاستقبال الأهالي، والأموال الجاهزة لبناء المساكن تم تقديمها من قِبل المساهمين المصريين أو الأجانب، ولكن كيف تحترم الحكومة مثل هؤلاء المهمشين أو أن تلقيَ لهم بالاً أو تضع لهم خططًا لإنشاء مساكن يعيشون فيها ويتعاملون فيها معاملة الإنسان أو حتى تعاملهم معاملة "كلاب الداخلية" التي أُنشئت من أجلها، وبأموال هؤلاء، مستشفى للعلاج؟!.

 

إن مثل تلك الأعمال لتعطيك دلالةً قويةً على سياسة نظام عنده كلاب الداخلية التي تحافظ على عرشه وكرسي حكمه، سواءٌ كانت حيوانات أو جنودًا، لَهُم أهمُّ وأفضل ألف مرة من هذا الشعب، وإن إقامة معسكرات الأمن المركزي وشراء المركبات والمعدات لهم لَهُو خيرٌ ألفَ مرةٍ من شراء وسائل نقل تنقل هذا المواطن القابع في تلك العشوائيات أو بناء مسكن يُؤويه.

 

لو كان تغيَّر المشهد ورأيت أمامك "تمردًا" لأبناء الدويقة لكنت رأيت كيف تغلَّبت أجهزة الدولة على ضيق الحارات والشوارع وعلى تداخل البيوت والمساكن، وكيف دخلت شاحنات الأمن المركزي لتسيطر على "التمرد"، وكيف دخلت الأوناش لتزيل العوائق التي وضعها المتمردون، وكيف تدافع اللواءات وأصحاب النسور والسيوف المعلَّقة على الأكتاف لتسيطر على "تمرد" أبناء الدويقة على النظام المباركي، ولرأينا السيد محافظ القاهرة قد خرج مسرعًا من حجرته المكيفة وقد ذهب إلى مكان "التمرد" حتى يشرف ويتلمس بنفسه على خطة القضاء على هذا التمرد الآثم على النظام المباركي، وفي جميع وسائل الإعلام يتحدث عن أن المتمردين من أبناء الدويقة سيتعلمون الدرس جيدًا.

 

(3)

لا أعرف هل توافقني على أن الحوادث المتتالية والكوارث والمصائب التي تحدث للمصريين تعطي براهين على أن الحزب الوطني ورجاله دائمًا تجدهم بعيدين كل البعد عن مكان الحادث أو عن أهله وذويه.

 

وضعت أمام عيني مشاهد ما حدث في قلعه الكبش وما حدث في الدويقة، وكيف تقاربت ملامح رجال حزب مبارك ووريثه فيما حدث هناك وما حدث هنا، وكيف أنهم نفس "العجينة والطينة"!.

 

فالسيد حيدر بغدادي نائب مجلس الشعب الذي ملأ وسائل الإعلام طعنًا وتجريحًا في الإخوان المسلمين والمعارضة المصرية، لم يرَه أحدٌ أو يسمع عنه أحدٌ أيَّ قول أو تصريح عما يحدث، وكيف كانت توجَّه إليه وإلى غيره من رجال الحزب الوطني الممثِّلين لأهل هذه المنطقة في الأجهزة الشعبية سهام النقد والتجريح، وكيف أنهم لا يعرفون له مكانًا أو يسمعون له قولاً، وما هي الخدمات التي قدَّمها لمثل هؤلاء المنكوبين، مع أن الأولى بهذا النائب وغيره من رجال الحزب الوطني أن يكونوا في أوائل الصفوف والمتقدمين لرفع الأنقاض عمن أعطوه أصواتهم وارتضوا بأن ينصِّبوه نائبًا عنهم، حتى وإن جاء بالتزوير والتزييف، فأين حقوق الإنسانية الملقاة على عاتقه هو وغيره؟!

 

هو وغيره يعرفون جيدًا أن مثل هؤلاء العشوائيين ليس لهم ميزان أو وزن في لعبة الحياة السياسية، والطريق إلى قاعات الشهرة والبرلمان لا يأتي من خلالهم، وإنما رضا النظام الحاكم وقيادات الحزب الوطني من صفوت الشريف وأحمد عز وكمال الشاذلي هو الطريق والسبيل؛ لأن- في ظني- مثل هؤلاء لا يرتقون إلى مصافِّ الكبار الذين لهم علاقات برأس النظام ووريثه.

 

(4)

الواضح والشاهد للعيان أن المصائب والكوارث التي توالت على مصر في الفترة الأخيرة كان في المشهد الرئيسي فيها الجيش المصري وأجهزته المختلفة التي تتدخل للحل أو الإنقاذ أو المساعدة؛ بدايةً من أزمة رغيف الخبز ونهايةً بأزمة الدويقة، ومعها تخرج تدريجيًّا من المشهد وزارة الداخلية وأجهزتها المتخصصة التي من المفترض أن تكون هي المسئولة مسئوليةً كاملةً وما معها من أجهزة الأمن الميداني والإغاثة، إلا أن استغاثة أهالي الدويقة ونداءاتهم لقوات الجيش أن تتدخل لنجدتهم كانت الإجابة الشافية والكاملة عن السؤال: أين حبيب العادلي ورجاله مما يحدث من كوارث؟!

 

الصورة من "الدويقة" أتت، وظهر في الكادر رجال من العساكر يلبسون زي الأمن المركزي، فعجبت من هذا الوضع؛ فبدلاً من أن يؤمروا هؤلاء من قيادتهم بالمساعدة في إنقاذ الضحايا وتقديم يد العون وجدناهم يقفون ويصنعون الكاردونات الأمنية التي لا يعرفون غيرها، ويمنعون الأهالي من نجدة ذويهم وأقاربهم؛ مما حدا بهم إلى قذفهم بالحجارة والاشتباك معهم.

 

فالعادلي ورجاله لا يعرفون سوى الكاردونات الأمنية التي تحيط بالمتظاهرين والمعارضين في شوارع القاهرة، ولم يتدرَّبوا سوى على خطط تفريق المظاهرات والاعتصامات؛ بدايةً من رجال الدفاع المدني ورجال المطافئ، ونهايةً برجال مباحث أمن الدولة؛ لذلك كان الفشل هو النتيجة الطبيعية لكل ما يفعلونه أثناء الانهيارات والكوارث والمصائب التي تحدث للمواطن، وأصبح الاعتماد على الجيش وأجهزته سمةً أساسيةً في مواجهة الأخطار والكوارث، مع أن هذا ليس مكانه ولا تلك هي وظيفته، ويؤثر بالسلب على وضع الحياة المدنية والتغيير الذي ننشده في مصر.

 

(5)

أخطر ما يتعرض له شعبٌ هي الحيرة في معرفة عدوه الأصلي؛ فإذا غض الطرف عن هذه الحقيقة، وحارب أعداءً وهميين صنعهم كبيرهم فقد مد في عمره من حيث لا يدري!.

 

يجب أن يعرف الشعب جيدًا أن ما يحل به من مصائب وكوارث هي نتيجة طبيعية لفساد النظام المباركي الحاكم في مصر، والذي هو السبب والمسبب من أخمص قدميه إلى شعر رأسه، فما أسهل أن نقف ونتصايح ونحارب ونرفع علم مصر وننادي بالإصلاح والتغيير ونقف أمام جناح بعوضة لا يقدِّم لا يؤخر، وآخر ما يعرفه أو يفهمه هي مقولة "طبقًا لتوجيهات السيد الرئيس، وتبعًا لبرنامجه الانتخابي"!.

 

لذلك فأنا أعجب ممن يظن أنه مناهض للظلم والاستبداد والسجون والمعتقلات والاغتصاب والفساد وتزوير إرادة الشعب، ثم يتوجه بكل ما يملك من أسلحة إعلامية منتقدًا الرقيق الذين يطعمهم الرئيس ويُئويهم ويحميهم.

 

يجب أن يفهم هذا الشعب أن معركتنا ليست مع الخدم والعبيد، وأن تطهير الوطن من الفساد والإرهاب والطغيان هو معركتنا مع رءوس هذا النظام وكبيرهم مجتمعين، وفي غير ذلك فإن ما نخوضه من معارك ستكون خاسرةً في ساحة خطأ وضد مومياوات لا يعرف سر تحنيطها غير رأس هذا النظام فقط!.

 

إن معركتنا وثأرنا وكراهيتنا وقوتنا وسلاحنا وألسنتنا وأقلامنا ينبغي أن تُوجَّه إلى هدفها الصحيح.

 

إن كل من يدخل المعركة مع رئيس الوزراء أو وزير الداخلية أو الإعلام أو الإسكان أو محافظ القاهرة أو أي كبير في الدولة، ويُخرج من دائرتها الرئيس بصفته الآتي بمثل هؤلاء، فقد ساهم في مد الانهيار الذي أصاب أهالي الدويقة لمصر كلها، وزاد من حالة الذل والقهر التي يحياها هذا الشعب، حتى إذا سقطت الأحجار فإنها ستعرف طريقها فوق رءوس الفساد والإفساد وليس بيوت الغلابة والمهمَّشين.

-----

* باحث سياسي.