في حديث وجداني جمع بعض الزملاء والأصدقاء؛ كان الموضوع فيه الساقطون والصادقون، الساقطون الذين يتخلَّون عن رجالهم عندما يتعرَّضون للملمَّات، أو تعصف بهم الحاجات تحت ذرائع وأعذار لا طعم لها ولا رائحة، سوى أن ديدنهم نكران المعروف، ونظرتهم للرجال لا تتعدى كونهم عبيدًا يُشرَون (يتم شراؤهم) للحراسة والخدمة والاستغلال، ويتم بيعهم عند الحاجة أو عندما تستنفد الحاجة منهم أو تنتهي صلاحيتهم تمامًا، كالسلعة أو أقل قدرًا..
أما الصادقون الحافظون للمعروف فإن خصالهم لا تسمح لهم بنكران الفضل والجميل؛ فالرجال عندهم بشر لهم قدرهم، والمعروف عندهم لا يضيع وإن طال الزمان وتغيَّرت الأيام؛ فالذاكرة لديهم تحفظ الود، وتقدِّر الفضل مهما قل، وتحفظ للرجال قدرَهم وعزَّهم.
مناسبة الحديث كانت تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية رايس التي استبقت استقالة الرئيس الباكستاني مشرف، والتي أعلنت فيها أن قبول اللجوء السياسي لمشرف غير مطروح، وما تبع ذلك من تنصُّل وتخلٍّ عن هذا الرجل الذي خدمهم، وكان يعتبر في عرف السياسيين والمراقبين رجل أمريكا القوي في محاربة الإرهاب في المنطقة.
وقد ذكَّرنا هذا الموقف بالموقف الأمريكي ذاته من الإمبراطور الشاهنشاه الإيراني، عندما أسقطته الثورة الخمينية، وتنصَّلت عنه أمريكا وتخلت، ولم يجد ملجأً إلا في مصر، رغم أنه كان الحليف القوي لأمريكا، وكان يعتبر شرطيَّ الخليج ووكيل أمريكا في المنطقة، لم ترقب فيهم إلاًّ ولا ذمةً، فالمصلحة انتهت والشكر لهم فات أوانه.. هكذا هم يتخلون عن رجالهم والعبرة لمن يعتبر.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر؛ فقد تذكَّرنا موقف حزب الله الذي قِبَل بالحرب وما ترتب عليها من خسائر ودمار من أجل أن يطلق سراح أسراه ومن تعامل معه وخدمه؛ كالأسير نسيم نسر بل من ارتبط به شرفيًّا؛ باعتباره مقاومًا وإن اختلف معه في العقيدة والمنهج، وهو الأسير سمير القنطار الذي أصرَّ حزب الله على إطلاق سراحه مهما بلغ الثمن وهكذا كان.
ولأن تاريخنا مصدر عزنا وفخرنا؛ فقد تذكَّرنا ذلك الفاروق العادل الخليفة عمر بن الخطاب؛ عندما خاطب ذلك اليهودي الكهل الذي عصفت به الأيام وأصبح في حاجة، قائلاً له: لا والله.. لن نتركك وسوف ننصفك، لقد أخذنا منك شبابك ودفعت لنا الجزية، ونحن الآن وجب علينا أن نرعاك ونعطيك حقك.
هكذا هم الحافظون للمعروف الذين دانت لهم الأمم واعتزت بهم الشعوب.
مواقف نتذكَّرها ونتحدث عنها، نأخذ منها العبرة، ونستكشف منها حقيقة السياسات وبواطن الرجال، فالساقطون كُثُرٌ كالرمال، والصادقون ندرةٌ كالذهب، وسياسات الدول كمعدن الرجال؛ تكشفها التجارب والمخاضات، فكم منا من خُدِعَ وكُشِفَت له الحقيقة! وكم منا من التبس عليه الأمر وتبيَّن له الخيط الأبيض من الأسود في نهاية المطاف.