الشعب المصري طيب.. صحيح، "وما له"، لكن ماذا يحدث الآن من المصريين يحتاج إلى وقفات ووقفات؛ فالشعب "مقضِّيها" لا مبالاة وسلبية وتهريج و"فهلوة".. معذور.. "ماشي ممكن نتناقش فيها".
ممكن يكون معذور من كم رهيب من الخداع والكذب الذي مورس ضده خلال الخمسين عامًا الماضية؛ فأدى في النهاية إلى هذا التشوه الذي بدأ يتسلل للشخصية المصرية.
نعم مرة أخرى.. معذور.. ولكن.
- معذور لأنه مشى بجميع حواسه وراء ثورة ويأمل فيها نهضة حقيقية وحرية لبلاده، فإذا به يُفيق على أنها كانت تبيعه وتبيع البلد وتقنن الظلم له، ويعمل الكثير من رجالها لمجد شخصي أو لحسابهم الخاص ولنزواتهم ولشهواتهم وهو آخر من يعلم.
- معذور لأنه تخيل أنه قضى على عدوه الأساسي واللدود من العصابات الصهيونية وحلفائها ليعوض ما حدث في 48 وفي 56 ويسترد فلسطين والمسجد الأقصى، ويتسع حلمه وهو يجد الإعلام المضلل ووراءه مجموعة من المرتزقة يقولون له: حطمنا 80 طيارة.. لا، أصبحوا 150 طيارة.. لا، وصلنا إلى أبواب تل أبيب، فإذا بصدمة لا تهز الشخصية المصرية وتؤثر فيها، بل تهز جبالاً.. يفاجأ بأن اليهود هم الذين أصبحوا على أبواب القاهرة، ويدفع الثمن بدون ذنب.. شهيدًا في كل بيت.
وتستمر المؤامرة على هذه الشخصية المصرية فتعامل بالحديد والنار تحت دعاوى وهمية سخيفة؛ منها الحفاظ على مكاسب الثورة، وتارةً القضاء على أعداء الثورة، وأخرى النيل من المتربصين ببلادنا، وكل يوم "حدوتة" جديدة وشعار جديد وخداع جديد.
وتعقد اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني، وكالعادة الشعب آخر من يعلم.. ما المقابل وما هي البنود السرية الخيالية لهذه الاتفاقية؟!.. لا أحد يعلم، وكأن قرارات مصيرية مثل هذه يحكمها دماء وثأر آلاف المصريين عيب أن يعلم بتفاصيلها الشعب!!.
- معذور لأنه عندما يجد وزيرًا فاسدًا أو خائنًا للأمانة؛ باع أرضًا أو سرطن مبيدًا أو سرق مليارًا.. يتوقع أن يحاكم ويكون مصيره الإعدام أو السجن، فإذا به يشاهده يتقلد أعلى الدرجات وكأنه يُكافَأ على فساده وخيانته.
- معذور لأن البلطجية وتجار المخدرات يرتعون وينتشرون حوله في كل حي وفي كل شارع، مطمئنين يعملون بأريحية عالية، بينما يجد الشرفاء مهددين ومطاردين ومعتقلين.
- معذور لأنه لو صدم الواحد منهم بسيارته حمارًا وقتله لذهب إلى الشرطة والنيابة وتم احتجازه حتى يتم المصالحة مع "العربجي"!!، أما من قتل أكثر من ألف مصري في عبَّارته الخربة فكان حرًّا طليقًا حتى هرب!.
- معذور لكم الكذب اليومي الذي يمارَس ضده.. الأسعار ستنخفض فيجدها تشتعل نارًا.. المرحلة القادمة هي أجمل المراحل وسينعم الجميع بالرفاهية فإذا به يجدها "أسود من قرن الخرُّوب"!.
وتستمر المأساة ومن نظام إلى نظام، ومن خداع إلى خداع، ومن تزوير إلى تزوير، ورغم ذلك يصدِّق أن البلد بلده، ويذهب بطيبته المعهودة ليقف بجوار مرشح يثق فيه ويأمل معه في الإصلاح والتغيير، فإذا به يفاجأ بتزوير فج؛ مرةً بتسويد البطاقات أمامه، ومرةً يجد من صوّت مكانه ويقال له: "إحنا قمنا بالتصويت بالنيابة عنك"!! ومرةً أخرى يُمنَع أصلاً من دخول اللجان والإقتراب منها، فيمتنع عن الذهاب ويزداد معه من يمتنع يومًا بعد يوم.
ولزيادة وتكريس السلبية واللا مبالاة فيه يجد أن الإعلام يستفزه بل يغيظه ويخرج لسانه له ويقول: ولقد قال الشعب كلمته، وخرج بالملايين ليقول "نعم".
وهنا تتفاقم حالة الشعب المصري وتصبح حالة مَرَضية، فيشعلها سلبية وتهاونًا، ومع المعاملة السيئة من جميع أجهزة الدولة في الوزارات والمصالح الحكومية والمحليات وفي استخراج التأشيرات والرُّخَص وغيرها، يصل إلى حالة متأخرة، فيسير بذكائه الفطري ولسان حاله يقول: "ما تولع في دماغ صاحبها"، ولا يعلم أنه هو صاحبها وأنها مخطوفة منه هو، وما عليه إلا أن يجاهد ويقاوم لاسترجاعها.
ولكنه يختار الطريق السهل المريح، وكما قال أحد الكتاب الأمريكيين: "كنت أكتب عن بلادكم للمشاركة في عمليات الإصلاح والتغيير ففوجئت بأن شعوبكم كسالى تريد أن تستأجر شعبًا ليقوم بثورة ويغير وهي تشاهد، وهذا ضد قوانين وطبيعة الحياة التي لا يقوم التغيير فيها إلا بتضحيات".
نجد شعبنا ينتقم مما حدث معه بعدم الانضباط أو الالتزام بقوانين أو آداب عامة، أو يستأسد على نفسه ويعامل بني جلدته بقسوة مفرطة وجفاء لا نظير له وبمغالاة في أسعار أو خدمات؛ فمع السلبية واللا مبالاة تنشأ الأنانية وتترعرع.
ونجح المفسدون في تعظيم "الأنا" في الشخصية المصرية ونسف العمل الجماعي والنظرة للمصلحة العامة، فنجد بلادنا تنحدر يومًا بعد يوم.
نعم.. هناك تقصير فاضح من النظام ويتحمل جزءًا كبيرًا، لكن نحن نتحمل سوء الأدب وقلة الذوق بيننا، وعدم التراحم والاستعلاء بمظهرية مفرطة على بعض، ونسف القيم والتقاليد الدينية أو تلك التي ورثناها عن أجدادنا، ونستسهل ونقول: "ليس ذنبنا.. إنه الإعلام.. إنه الجيل الجديد وعصر النت والسماوات المفتوحة"، وكأن المقاومة كلمة أصبح لا مكان لها في الحفاظ على هويتنا وعلى أنفسنا؛ فكل شعوب الأرض تجد لها زيًّا حافظت عليه ولغةً أمًّا عضَّت عليها بالنواجذ، وتقاليدَ من مئات السنين، وأين نحن من ذلك؟! ردوا عليَّ أنتم.
إذن فما هو الحل؟! هل سنلعن وننقد حالنا كل يوم صباح ونهار ونقول خلاص ما فيش فايدة.
الحقيقة أن ما أفسده خمسون عامًا لا يمكن إصلاحه في أيام، ولكن لا بد أن نبدأ فورًا بزيادة الوعي والفهم، وهذا هو دورنا في المدونات والمواقع والمنتديات.. نصرخ بصوت عالٍ: يا مصريين.. هذه بلدكم.. هذه أرضكم.. هي ملككم.. ومن يرتع فيها فسادًا هم أُجَرَاء عندكم.. هم أقنعوا الكثير منكم أنكم ضيوف فيها وأنهم ملاكها، ولكن الحقيقة أنهم هم الضيوف.. لا، بل هم أُجَرَاء سوء، سيرحلون في طرفة عين لو أردتم.
هي هي نفس القصة في كل بلد عربي؛ لو فهم الناس وعقلوا لأزاحوا الطغمة الحاكمة التي تنهب خيرات بلادهم وتذلهم وتستعبدهم ليل نهار في لحظات، وعندها ستتفجر طاقات الشعوب عندما يحسون أن البلد بلادهم، ولوجدوا أنفسهم شعوبًا يشار إليها بالبنان.
نعم.. الحل سهل، وأسهل مما نتخيل أو نتوقع، لو تحرك كل فرد منا وأصلح حاله مع خالقه ثم حاله مع الناس، وتعود تقاليدنا الجميلة وتعمر المساجد وتكثر الزيارات ويسود الحب بين الجيران وتعود النخوة والرجولة والشهامة والنبل وتختفي الأنانية والجشع والظلم، فوالله.. عندها لن تستقيم الحياة إلا بتغيير عادل وسريع؛ فعندما يكون الجسد جيدًا وصالحا وطاهرًا وعفيفًا فلن يستقيم معه رأس فاسدة.
يا سادة.. الحل بين أيدينا سهل جدًّا؛ بكلمة حق.. بابتسامة لجار.. بنصرة ضعيف.. بصلة رحم.. برعاية يتيم.. بمعاونة متعثر.. بمزيد من علم.. بكثير من حلم.. بإيجابية صادقة.. بعزيمة قوية.. بإرادة صلبة.. سيتحقق التغيير والإصلاح، ولن أقول يتحقق الحلم.
تكفي نظرة واحدة للخريطة لتجد دولاً كانت لا تُذكر ولا نعرفها إلا عند رؤية اسمها على الخريطة، فإذا بها الآن نمر آسيوي أو أسد أوروبي؛ يعيش شعبه حياة كريمة كلها رفاهية وسعادة، وما زلنا نحن أصحاب حضارة سبعة آلاف سنة، نمورًا وأسودًا في المهرجانات والحفلات والأغنيات وفي صناعة الوهم و"الفهلوة والهجص، وحتى دي يا ريت فالحين فيها"!.
-------