رمضان فوزي

كان الله في عون الشعب المصري الذي لا يكاد يفيق من كارثةٍ إلا ويدخل في أخرى أشد وطأةً وأكثر مفاجأةً من حيث نوعها ومصدرها؛ فما بين الغرق والحرق والهدم يعيش الشعب المصري، ولنكن أكثر دقةً نقول: يعيش معظم الشعب المصري في هذه الكوارث؛ لأن هناك أقليةً استأثرت بالبلد وأموالها وثرواتها وتركت الغالبية يواجهون مصيرهم حسب حظهم في الميتة التي كُتبت لهم؛ فمَن نجا من الحرق غرق، ومن نجا من الغرق مات تحت أنقاض المقطم، وهكذا.

 

لن أتحدث هنا عن حجم المأساة وعن المسئول عنها، فالأمر لا يحتاج إلى ذكاءٍ كبيرٍ للتعرف عليه، لكن سأركز على محطاتٍ ثلاث استرعت انتباهي خلال المتابعة الإعلامية للأزمة:

المحطة الأولى: خصص برنامج "بانوراما" بقناة (العربية) موضوع حلقته أمس عن هذا الموضوع، وكان ضيوفه الصحفي المصري جمال فهمي والدكتور مصطفى علوي أحد أعمدة لجنة السياسات بحزب الكوارث الجاثم على صدر البلد منذ عشرات السنين.

 

وبسؤال السيد علوي عن المسئول عن هذه الأزمة، بدأ قائلاً بأنه لا يعفي الدولة من المسئولية في هذا الأمر، فاستبشرت خيرًا وظننتُ أن الحزب الحاكم بدأ يراجع نفسه ويعلن بكل جرأةٍ تحمُّله مسئوليته عما أحدثه للبلد من كوارث.

 

لكني فوجئتُ بأن المسئولية التي يُلقيها السيد علوي على الدولة تتمثل في أنها فشلت في "إقناع" أهالي هذه المنطقة في ترك مساكنهم العشوائية والانتقال إلى مناطق أخرى، ويرى سيادته أن هؤلاء الناس مخطئون لأنهم أنفقوا أموالهم على البناء في مثل هذه المناطق غير المناسبة للسكن الآدمي!!.

 

كان ذلك أبرز ما جاء في رد عضو لجنة السياسيات في الحزب الحاكم الجاثم على الصدور، ومَن يسمع هذا الكلام يُخيل إليه أن الدولة قامت بتوفير سكنٍ آمنٍ لهؤلاء الناس ولم تُقصِّر في هذا الجانب، وأن الدولة بديمقراطيتها وحرصها على حقوق الإنسان لم ترد أن تُجبر الناس على تركِ سكنهم لكنها حاولت إقناعهم ولكنهم رفضوا الانتقال من هذه الجحور التي يعيشون فيها إلى ما أعدته لهم الدولة من قصور!.

 

ولا شك أن كلام السيد علوي يدل دلالةً واضحةً على أن رجالات الحزب الحاكم الجاثم بعيدون كل البعد عن الشارع وعمَّا يجري فيه وعن حقيقة الأمور؛ فالسيد علوي لا يعرف شيئًا عن استغاثاتِ الناس في هذه المنطقة منذ سنوات وتحذيراتهم لما يحيق بهم من أخطار، لكنهم لم يجدوا آذانًا صاغيةً فاضطروا للبقاء في مكانٍ يستر عوراتهم حتى يأتيهم أجلهم المنتظر، حتى يُكتبوا من شهداء الرحمن في شهر القرآن.

 

وكلام علوي يدل أيضًا على عدم معرفته بطبيعة ما كان يعانيه هؤلاء من فقرٍ مدقع؛ فهو عاب عليهم أن يدفعوا أموالاً في تشييد مبانيهم في تلك المناطق غير المناسبة، فهو لا يدري أن هؤلاء القوم كانوا يعيشون كعائلاتٍ متزاحمة في حجرةٍ واحدةٍ متهالكة، مبنية بصورة بدائية، حسب ما تيسر لهم ليعيشوا ويحموا أنفسهم من الحر والقر.

 

فهم لا يملكون ما يدفعونه لحديد عز (أمين التنظيم بالحزب الحاكم) الذي كلَّ الشعب كله، بأغنيائه قبل فقرائه، وملَّ من تصرفاته في البلد وكأنه فريد عصره ووحيد قرنه.

 

استوقفني في كلام مذيعة البرنامج قولها: "كيف يوجد مثل هؤلاء الناس في مصر وأحد أقطاب الحزب الحاكم يدفع مليوني دولار (ما يزيد على 11 مليون جنيه مصري) لقتل فنانة؟!!"، وأترك التعليق للقارئ.

 

المحطة الثانية: أحببت أن أعرف تعاطي التليفزيون المصري الرسمي مع الأمر؛ ففتحت على البرنامج البهلواني "البيت بيتك" (هو ليس بيتنا ولا نعرف عنه شيئًا)، فإذا بالسيد تامر بسيوني يشجب ويستنكر ويدين بأقسى العبارات ما تقوم به قناة (الجزيرة) الفضائية في هذه الأزمة؛ فقناة (الجزيرة)، حسب تامر، تقوم بالشماتة في الشعب المصري من خلال تغطيتها للأحداث وتقول: الحكومة هي السبب، والحكومة لم تتحرك بما ينبغي.

 

وهكذا بدل أن يقوم تامر بدوره كإعلامي في محاولة الكشف عن الحقيقة حتى لا تغرق السفينة بالجميع، إذا هو يُسخِّر برنامجه- كما هو الحال مع التليفزيون المصري كله- في تجميل صورة الحكومة، ومهاجمة مَن يبرز الحقيقة للناس واتهامه بالشماتة في الشعب المصري!.

 

الشماتة الحقيقية يا سيد تامر هي ممن يضحكون على هذا الشعب المطحون ليلَ نهار، ويزيِّفون الحقائق أمامه؛ فيصبح الحق باطلاً والباطل حقًّا.

 

تحوَّلتُ إلى قناة (الجزيرة) لأرى الشماتة التي نبَّه عليها تامر؛ فإذا هي تنقل الحدث من أرض الواقع (خلال حصاد اليوم الإخباري) وتأتي بمحمد رجب زعيم الأغلبية في مجلس الشورى المحروق منذ عدة أسابيع (يعني واحد من الحزب الحاكم الجاثم) ليعلِّق على الحدث حسب وجهة النظر الحكومية، فتساءلتُ: أين هي هذه الشماتة؟ ثم انتبهتُ إلى أن تامر وأمثاله لم يعتادوا على نقل الحقيقة كما هي، ولكن لا بد أن تُجرى لها جراحة تجميلية عاجلة حتى لا تحرج الحكومة المُوقَّرة وحتى لا تفقدها هيبتها أمام رعاياها، ولذلك فلا يُعجبهم مَن يعرض الحقيقة كما ينبغي أن تصل للناس، وليس كما تريدها الحكومة أن تصل.

 

وهكذا اختزل تامر الشعب المصري كله في الحكومة التي اعتبر أن تحميلها مسئوليتها تجاه الأزمة هو سخرية منها، تنسحب في النهاية على الشعب المصري كله!.

 

المحطة الثالثة: كنتُ حريصًا أيضًا على متابعة الجرائد الحكومية، خاصةً في المانشيت الرئيسي لها، وأول ما وقعت عيني منها وقعت على صحيفة (الجمهورية)، وكما توقعتُ فقد جاءت الصدمة الصحفية التي لا يوجد لها مبرر أو مخرج مهني، وهي أن المانشيت الرئيسي بدأ بخط صغير (هامس) بجملة: "العشرات تحت الأنقاض بعد انهيار أجزاء من المقطم"، ثم بالخط العريض جدًّا (الزاعق): "مبارك يتابع كارثة الدويقة"، ثم بخط باهت (هامس جدًّا حتى لا يأخذ أحد باله فيطالب بحقه بعد ذلك): "مساكن بديلة للمنكوبين وتعويضات عاجلة لأسر الضحايا"، ثم بخط كبير- كبير فقط وليس جدًّا (يعني مسموع حبتين)-: "نظيف: خطة شاملة للتعامل مع العشوائيات والمنازل المخالفة".

 

ولن أتحدث هنا عما ورد في الموضوع من كوارث متكررة مع كل أزمة وهي تعويضات عاجلة وخطط "شاملة" ومدمرة لا تظهر ولا نسمع عنها إلا وقت الأزمات فقط من باب ذر الرماد في العيون، وأنا أتحدى إن كانت هناك خطط أو "يحزنون" فلو كان هناك من يخطط لما وصل حالنا إلى ما نحن فيه.

 

المهم أن ما استوقفني في مانشيت (الجمهورية) مخالفتها لقواعد المهنية الصحفية، فكان من المفترض أن تبرز الحدث الأبرز والمحوري والأهم، وهو وقوع الكارثة وعدد الضحايا وكيفية التعامل مع الأزمة، وماذا يفعل الأهالي الذين فقدوا ذويهم ولا يعرفون عنهم شيئًا، وما المطلوب منا كشعبٍ في التخفيف من آثار الأزمة؟

 

لكن ما أبرزته (الجمهورية) هو متابعة السيد الرئيس للأزمة؛ فأصبحت المتابعة في حدِّ ذاتها هي الحدث الأبرز والأهم، وبعدها مفاجآت السيد رئيس مجلس الوزراء بأن هناك خططًا شاملة!.

 

ثم الصورة الرئيسية للجمهورية كما تابعتها من خلال موقعها الإلكتروني هي صورة الرئيس في اجتماعه الوزراء.. (أكيد الجمهورية لم ترد أن تشمت في الشعب المصري، كما تفعل الجزيرة).

 

ما استوقفني أيضًا في التغطيات الحكومية أن السيد الرئيس عقد اجتماعًا عاجلاً مع الدكتور نظيف بمقر رئاسة الجمهورية أصدر خلاله توجيهات عاجلة للحكومة بتوفير جميع أوجه الرعاية للمضارين‏,‏ وتوفير سبل الإعاشة والمساكن البديلة لإيواء المنكوبين‏,‏ والعمل على تخفيف المعاناة عنهم‏,‏ فضلاً عن تعويض أسر الضحايا والمصابين (حسب نص الأهرام).

 

ثم ذكرت الأهرام أيضًا أن السيد نظيف بعد اجتماعه مع رئيس الجمهورية عقد اجتماعًا مع بعض الوزراء المعنيين، وطبعًا بالتأكيد سيعقد كل وزير من هؤلاء الوزرا‏ء اجتماعًا مع وكلاء وزارته، وكل وكيل وزارة سيعقد اجتماعًا مع المسئولين تحته، وكل مسئول من المسئولين تحت وكلاء الوزارات سيعقد اجتماعًا مع مَن هو تحته في السلم الوظيفي والإداري لتبليغ توجيهات السيد الرئيس، وهكذا حتى تصل التوجيهات للسادة المنفِّذين.

 

ولك أن تتخيل هذه الاجتماعات المتوالية والمتتالية والناس تحت الأنقاض يصرخون "الحقني يا مراد، الصخور فوقي.. أنا والأولاد حنموت.. قل لهم يلحقونا" (كما ورد في عنوان خبر بموقع (إسلام أون لاين)!.

 

ولا أدري هنا مَن سيقول لمَن يلحق مراد وأولاده تحت الصخور؟! ولكن على مراد وأولاده أن ينتظروا توجيهات السيد الرئيس حتى تصل لمَن يُنقذه إن كان حينها ما زال على قيد الحياة أو ينتشل جثته وأولاده، وإلا فليدفن مراد نفسه بنفسه تحت أنقاض؛ فهذا أكرم له وأريح لأهله من مشرحةِ زينهم وما يجري بها.

ألم أقل لكم: إنه لا يوجد خطط ولا يحزنون!!.