الكابتن أحمد شوبير لم يختلف في كفاءته حين كان حارس مرمى النادي الأهلي ومنتخب مصر اثنان، والكابتن أحمد شوبير حين عمل بالإعلام الرياضي لم يتفق اثنان على حياديته وعدم تلونه، وحينما عمل الكابتن أحمد شوبير حارس المرمى السابق بالإعلام غير الرياضي لم يتفق معه شخصٌ واحدٌ، فكيف له أن يتصدى لقضايا فقهية لا يستطيع أن يخوض فيها غير العلماء الذين يواجهون الحجةَ بالمنطق والدليل بالدليل، فكانت سقطةً مدويةً حين يُناقش قضايا فقهية من خلال برنامجه (الوجه الآخر) في قناة (الحياة).
في حلقةٍ من حلقات الكرة مع شوبير قدَّم الصحفي الدكتور ياسر أيوب مفاجأةً إلى المشاهدين أو لي شخصيًّا على أقل تقدير وأنا أتابع السقوطَ المروع لبعثتنا الأولمبية في بكين، أن أحد الأستراليات قامت بتصميم حجابٍ يُناسب الفتاة المسلمة حين تُمارس الرياضة، فقال له شوبير: "دي مش قضيتنا، اللي عايز يلبس يلبس، واللي عايز يقلع يقلع"، ومرَّ الحديث مرور الكرام ظنًّا مني أن الرجلَ لا يريد أن يخوض في موضوعاتٍ ليس لها علاقة ببرنامجٍ رياضي فاحترمت فيه احترامه للتخصص.
ولكن حين يتحدث الكابتن شوبير حارس المرمى الذي لا أعرف له مؤهلاً إعلاميًّا أو حتى تعليميًّا مع عربةٍ طائشةٍ تزفُّ إلينا مجموعةً من الفتاوى التي أنكرها العلماء جملةً وتفصيلاً ويعيدها من خلال برنامجه في هذا التوقيت (اليوم الأول من شهر رمضان)، يجعلني أتساءل عن الحكمةِ من نشر هذه الفتاوى في هذا التوقيت، وإذا كان شوبير يسمي برنامجه (الوجه الآخر) فما هو الوجه المقابل الذي يقصده؟.
استضاف شوبير جمال البنا بفكره الشاذ والخارج عن الثوابت القرآنية والسنة النبوية الصحيحة؛ فقد أفتى بحلِّ التدخين في نهار رمضان، وسمح له شوبير أن يُقدِّم فتواه في اليوم الأول من رمضان ليكون حجةً لكل صاحب إرادة ضعيفة في الاستناد إلى فتواه بالرغم من أن هذا الرأي الفاسد قد قُوبل بالاستهجان والرفض حتى من المدخنين أنفسهم، ورفض هذه الفتوى رجل الشارع صاحب الفطرة الطيبة؛ فرفضها التاجر والصانع والطالب والأمي والجاهل؛ لأنها اصطدمت بفطرته.
وسمح شوبير حارس المرمى لضيفه بنشر فتواه الخاصة بحلِّ الأحضان والقبلات العلنية بين البنين والبنات من المسلمين, وشوبير لا يعلم أنه حينما سألوه: "أترضى هذا لبناتك؟!" قال: الحمد لله أنا ليس عندي بنات.
ولأن الموضوع خارج عن اختصاص حارس المرمى فلم يستطع أن يُدليَ بدلوه إن كانت هذه الفتوى (فاول يستحق الطرد أم أن الفتوى لم تتخطَّ خطَّ المرمى والهدف غير صحيح)، وإن كان شوبير على كفاءةٍ دينيةٍ بسيطةٍ تدنو من كفاءته الكروية لكان رده عليه: إن الله تعالى يُحرِّم النظر إلى المحرماتِ بقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾ (النور).
الله تعالى يقول غضوا أبصاركم عن المحرمات, وشوبير يُقدِّم إلينا جمال البنا ليقول: ما دمتم يا شباب تحتاجون إلى تقبيل البنات وأحضانهن، ويقوم البعض منكم بهذا العمل سرًّا، فلماذا لا تتخلصون من القيود والضوابط الاجتماعية والدينية وتقبِّلون بعضكم بعضًا علانيةً؟!
وبذلك يأمل أن يراهم يقبِّلون بعضهم في الشوارع, ويحضنون بعضهم علانيةً، دون حياء, كما هو الحال في شوارع أوروبا وأماكنهم العامة.. والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: 19).
ألم يسمع شوبير جمال البنا وهو يقول: إن الزنية الأولى، والزنية الثانية من اللمم، والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى﴾ (النجم: 32)، واللمم صغائر الذنوب كما ورد في كلماتِ القرآن للشيخ حسنين مخلوف رحمه الله، والزنى من الفواحش كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ (الإسراء: 32).
ويسمح شوبير في برنامجه الوجه الآخر لجمال البنا بأن يُسجِّل في مرماه هدفًا بعدَ الآخر فيضيف إلى أهدافه هدفًا جديدًا حين يقول بجواز كشف الشعر.
ولو أن شوبير حارس أمين على كتاب الله كما كان حارسًا أمينًا لمرمى ناديه لقرأ كتاب الله مثلما يقرأ اللوائح الرياضية وقوانين البث الفضائي ولوائح الفيفا- وهذا ليس عيبًا فهو مجال تخصصه- ولوجد الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب: 59).
وقد أجمع المفسرون والفقهاء على أن في هذا دليلاً على تغطيةِ الشعر والرأس والخلاف فقط على الوجه والكفين.
جمال البنا يرفض السنة النبوية المطهرة والأحاديث الصحيحة التي أجمع علماء الأمة من أهل الاختصاص على صحتها، والله تعالى يقول: ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7).
العجيب أن يناديَ شوبير بالتخصص في كل شيء (الحكم حكم، واللاعب لاعب، والجمهور جمهور، والإعلامي إعلامي)، إلا في الفقه والفتوى، والتفسير والحديث، فإنه جعل ذلك مباحًا لكل من هبَّ ودبَّ، ولكل مَن يدَّعي العلم، ويتصادم مع أهل الاختصاص والعلم والذكر، والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: من الآية 43)، وأهل الذكر كما قال المتخصصون هم أهل العلم والتقوى، فأين شوبير وضيفه من هؤلاء؟!
ونُذكِّر شوبير بأن فكر جمال البنا وُلد ميتًا؛ لأنه يحمل عوامل موته في طياته وجيناته وتوجهاته، ولحسن حظه فقد كان محاوره حارس مرمى متميز وليس حارسَ عقيدة أو فقه دارسًا فاهمًا قادرًا على المحاورة، وإن كانت الآراء التي طُرحت تحتاج فقط لمَن يلم بالمعلوم من الدين بالضرورة.
هذا البرنامج بما قدَّمه من أمور تصطدم مع دين الله، وثوابت الآيات القرآنية القطعية الدلالة، وثوابت الأحاديث النبوية الصحيحة، فمَن يحاول بفكره السقيم التصادم مع هذه الثوابت الإلهية كتب الله عليه الفشل والفناء.
فالذين أغلقوا عقولهم بعد موتِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنعوا الزكاة بحجة أنهم كانوا يؤدنها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، ولن يدفعوها بعد وفاته، حاربهم المسلمون واختفى فكرهم من الوجود.
والخوارج الذين خرجوا على الإمام علي رضي الله عنه بتأويلاتهم الباطلة والفاسدة للآيات القرآنية اختفى فكرهم الفاسد؛ لأنه كان يحمل في طياته عوامل فساده وتحلله الذاتي.
والذين نادوا بالسفور والعري وإخراج المرأة المسلمة من دينها باءت خططهم بالفشل، وضاعت جهودهم الإعلامية والثقافية والتعليمية التي بذلوها في مائة عام, وعادت المرأة المسلمة إلى دين الله, واختفى التبرج والسفور الجماعي الذي كان سائدًا في ستينيات القرن العشرين الميلادي في الوطن العربي.
وقد قالت إقبال بركة في قناة (الرسالة) في إحدى حلقات الوسطية عن لباس المرأة المسلمة قالت: (ماذا حدث؟ بعد أن تخلصنا تمامًا من الحجاب، ضاعت كل جهودنا وعاد الحجاب وملأ الشوارع والمدارس والجامعات والمؤسسات، ويا أسفاه على جهودنا السابقة!!).
ليس بالضرورة أن يكون الشذوذ والخروج عن المألوف بابًا للشهرة، وإن الطريق إلى القلوب ليس له إلا طريق واحد هو الصدق مع النفس والصدق مع الناس واليقين في مراقبةِ الله تعالى، وقد قالوا: ما يخرج من القلب يصل دائمًا إلى القلب، وليكن الكابتن شوبير متأكدًا من أن كل الأهداف التي سجَّلها جمال البنا (offside) سيلغيها أي حَكَم (فاهم في أمور الدين) بعد إعادة المباراة تلفزيونيًّا.