د. حلمي محمد القاعود
يعالج حزبُ الإخوان المسلمين المقترَح قضيةَ الصحة في مصر، من خلال ثلاث نقاط:

الأولى: معالجة المرضى.
والثانية: فكرة الدواء.
والأخيرة: حماية البيئة
ويسهب البرنامج في شرح هذه النقاط وتوضيحها وكيفية تحقيقها.
ولا شك أن محرِّري هذا الجزء المتعلِّق بصحة الشعب المصري لديهم خبرةٌ واضحةٌ بأحوال الوضع الصحي في مصر، وإن لم يتطرَّقوا إليها بطريقة مباشرة؛ فقد رفعت الحكومة يدها عن علاج مواطنيها بصورة شبه تامة، وتتجه إلى تحويله علاجًا مدفوعًا بالأسعار الحرة؛ أي سعر السوق، وذلك بالنسبة للفقراء قبل الأغنياء.
وكان في الأرياف ومدنها قبل حين وحدات صحية صغيرة ومستشفيات مركزية؛ يستطيع البسطاء أن يجدوا فيها علاجًا معقولاً إلى حدٍّ ما، بل وأن يدخلوا المستشفى ليقضوا أيامًا يتناولون فيها إلى جانب العلاج نوعًا من الطعام يعوِّضهم عن سوء التغذية الذي يعانونه دون أن يدفعوا مليمًا واحدًا.. صحيح أنه علاج غير مثالي، ولكنه بالنسبة للفلاحين والعمال والبسطاء يعدُّ نعمةً كبرى يحمدون الله عليها.
الآن ذهب كل هذا وإن كان موجودًا على الورق؛ فهو لا ينفَّذ تحت دعوى لا توجد أدوية أو لا توجد أسرَّة أو أن الموجود ما يسمَّى بالعلاج الاقتصادي أي المدفوع ثمنه: قيمة الإقامة في المستشفى، أجرة الأطباء والمساعدين، ثمن الأدوية المتاحة (غير الموجودة يشتريها المريض من الخارج على حسابه)!.
في الوحدات الصحية الصغيرة بالقرى والمستشفيات بالمدن يقوم المريض بدفع رسوم العيادات الخارجية، ورسوم عن زيارة المرضى في القسم الاقتصادي أو المجاني إن وجد، وصار من المعتاد أن يذهب المريض الفقير إلى الطبيب المعالج من أجل كشف خاص يدفع قيمته الرمزية ليحصل من الوحدة الصحية أو المستشفى على بعض العلاج المجاني.
الطبيب مضطر لقبول هذا الأمر: الكشف بثمن رمزي بعد وقت العيادة الخارجية مقابل تقديم علاج بسيط؛ لأن مرتبه ضئيل وعائده من العيادة الخارجية ضئيل، فمن يملك المال لا يذهب إليه ولا يحتاجه، والفقير يبحث عن أية وسيلة للعلاج ولو كانت غير مشروعة.
واتجهت الحكومة مؤخرًا إلى التخلي عما يسمى التأمين الصحي وتسليمه إلى شركات أو مؤسسات خاصة، تفرض شروطها على الموظفين التعساء برفع قيمة التأمين، ودفع نسبة فورية من قيمة العلاج (فوق طاقة المريض المشترك بالطبع)، مع أن وضع التأمين الحالي لا يسر سليمًا أو مريضًا؛ فالمرضى يتكدَّسون منذ صلاة الفجر أمام العيادات الخاصة بالتأمين الصحي من أجل الوصول إلى الطبيب المختص مع الظهر أو بعده.
وفي الصورة المقابلة فإن الأمر تحوَّل إلى تجارة بلا قلب؛ فقد كان الطب مهنةً إنسانيةً ذات رسالة، ومكافأة الطبيب الأولى هي فرحة المريض بالشفاء ودعاؤه له بطول العمر ودوام الترقي، أما اليوم فإن الأطباء المهمين صاروا- الكثير منهم- عباقرةً في رفع قيمة الكشف وقيمة المراجعة، وبعد ذلك خدمة زملائهم في معامل التحليل ومراكز الأشعة والصيدليات؛ فالمريض لا بد أن يقوم بتحليل أو أشعة حتى في الأمور البسيطة التي يمكن أن تعالَج بصورة مباشرة.
التجارة رائجة قبل أن يخرج المريض من عيادة الطبيب ومعه تذكرة الدواء المكتظة إلى الصيدلية التي تبهظه بما لا يستطيع، وصار أصحاب الصيدليات مع الارتفاع المستمر لأسعار الدواء من المليونيرات الذين يتعاملون- إلا قليلاً منهم- بغطرسة ملحوظة مع المرضى؛ فهم ليسوا بحاجة إلى المرضى بعد أن أُتخموا وارتفع سعر الدواء المحتكر لديهم، وتضاعف ثمنه، ويتضاعف، مع مطلع كل شمس.
الأمر في مسألة العلاج والدواء يقتضي فكرًا مبدعًا يأخذ في حسبانه عناصر العملية العلاجية الثلاثة: الطبيب، الدواء، المريض.
وكنت أتوقع أن يقف البرنامج من الطبيب موقفًا حازمًا يُعيد إليه اعتباره، سواءٌ بإشباعه ماديًّا أو ردعه عن المغالاة في الأتعاب وتحويل مهنته إلى عمل تجاري، وذلك برفع مرتبه الحكومي بما يتكافأ مع جهده وتخصصه فهو- كما يفترض- يضحِّي بوقته وأوقات فراغه لنجدة المرضي وإسعاف المصابين في أية ساعة من ساعات الليل أو النهار، وفي الوقت نفسه فإن تحديد أجور الأطباء خارج الوظيفة أمرٌ مطلوبٌ، تستطيع نقابة الأطباء أن تقوم بدور حاسم فيه.
وقد رأيت في تركيا نظامًا جيدًا يختار الطبيب بموجبه العمل في عيادته الخاصة فقط، أو في المستشفى الحكومي أو الاستثماري وحده؛ أي أنه لا يجمع بين الوظيفة الحكومية والعيادة الخاصة؛ فإذا عمل في الحكومة أجزلت له العطاء، وإذا عمل في العيادة الخاصة حدَّدت له الأجر الملائم الذي لا يظلمه ولا يمثل ظلمًا للمريض.
أما الدواء فإن تخلِّي الدولة عن شركات الدواء وبيعها لمستثمرين يتحكمون في سوقه ويحتكرونه، خاصةً إذا ما كانوا من الأجانب؛ فإن ذلك يمثل إجرامًا بحق الشعب كله وتفريطًا في حق أصيل من حقوق الحياة، وأتمنى على البرنامج أن يؤكد على هيمنة الدولة المصرية على صناعة الدواء، سواءٌ من خلال الشركات التي تملكها أو الشركات المساهمة التي يملكها مصريون، بل إن الشركات الأجنبية التي تستثمر في الدواء وأصنافه النادرة على أرض مصر يجب أن تخضع للسلطة خضوعًا إداريًّا واقتصاديًّا كاملاً.
وبالنسبة للمريض فإن إلزام الشركات والمؤسسات والوزارات بإقامة مستشفيات تابعة لها تتولى علاج منسوبيها وأسرهم نظير اشتراك مناسب وتوفير متاعب الجري وراء ما يسمى التأمين الصحي الفاشل؛ يمثل نقطةً كبيرةً في علاج المصريين ونسبة كبيرة منهم، أما الجهات التي لا يمكنها إقامة مستشفيات تابعة لها فيجب أن تتفق مع مستشفيات خاصة على علاج أفرادها وأسرهم.
يبقى الفقراء والبسطاء.. وهؤلاء يجب تحويل الوحدات الصحية والمستشفيات المركزية إلى أماكن فاعلة صالحة لعلاج الناس وإسعافهم دون إثقالهم بالمال أو العذاب.
وتحتاج حماية البيئة، والنيل خاصةً، إلى قوانين صارمة لمواجهة الشركات والمصانع الملوثة الناشرة للأذى والسموم وإلزامها بتوفيق أوضاعها في وقت محدد، مع رفع منسوب مياه النيل من وقت لآخر لغسيل المجري وتنظيفه من الفضلات والأوشاب، وحبذا لو كانت هناك خطة لنقل الطمي من وراء السد العالي إلى أمامه كي يختلط بالمجري ويغير طبيعة المياه الراكدة.
حاشية:
رمضان كريم، إعلام الريادة جعل رمضان شهرًا للعوالم والغوازي والمهرجين والمشخصاتية وبتوع الكورة، هؤلاء هم المثل العليا والقدوة وبناة الأمة، أما العلم والثقافة والفكر، وحرث الأرض والوقوف وراء الآلات في المصانع، فهو من الهراء الذي لا يستحق الذكر؛ لأنه لا يشبه ما يسمَّى الفن (الفن بمفهومه الحقيقي شيء آخر غير التجارة في الهلس!).
ويتساءل البعض عن الأصفار وزمن الأصفار، وينسى كيف حوَّلوا روح الإنسان المصري إلى بناء مصمت لا يعرف غير إشباع الغرائز!!.
----------
drhelmyalqaud@yahoo.com