دون الدخول في تفاصيل حول مسار ونتائج ثورة يوليو التي اختلفت الآراء حولها؛ هل لنا أن نستوضح ضرورة اللحظة التي عجَّلت بقيامها لتغيِّر مسار الحياة في مصر على كل المستويات؟ ذلك كي نرى مواقع أقدامنا لنتجلَّى حق الوقت الذي تمر به مصر اليوم! لنجيب عن التساؤل: هل مصر في حاجةٍ إلى ثورة أخرى أم لا؟!
يساعدنا في ذلك استحضار الوضع الذي كانت مصر عليه في محاولةٍ لفهم أسباب قيام الثورة! وهل ذلك كان ضرورة قد تتكرر لو تشابهت الظروف أم لا؟! جيل الثورة- ونحن شئنا أم أبينا من جيل الثورة اتفقنا معها أو اختلفنا- يقولون: إن الثورة قامت ضد الاحتلال والقصر والإقطاع، وهذا يعني أن النظام الحاكم لم يكن مخلصًا في أدائه، بل انشغل بنفسه ومصالحه وشهواته عن الشعب ومصالحه واحتياجاته، كما يعني أن الاحتلال قد ارتهن إرادة مصر من خلال السيطرة على القصر ورجاله، ويؤكد ذلك أن الإقطاع والإقطاعيين قد استولوا على مقدَّرات البلاد في حماية القصر والاحتلال!!.. فهل هذا يعني تشابهًا في الظروف؟
إن مصر كما يراها أبناؤها لم تعد ملكهم، فليست هي الأم الرءوم التي تسهر على راحتهم وسعادتهم وتوفر لهم الحياة الكريمة، وليست هي التي تحفظ عليهم كرامتهم وتحمي حقوقهم الإنسانية! بل ليست هي مصر التي تحمي أبنائها في الداخل والخارج، بل غاية المنى أن يبعد المصري عنها وتبعد عنه كي يحيا حياةً مستقرةً في أي مكان!.
مصر بهذا الحال قد لا تجد من يتحمَّس لها إذا جدت الخطوب وادلهمَّت الظروف، وحان وقت الجد للدفاع عنها! فقد ربَّت مصر أبناءها على السلبية والبحث عن المصلحة الشخصية، وأورثت أبناءها الخوف والنفاق خلال الخمسين عامًا الأخيرة، وأغلب المصريين تحت هذا العمر!! وإذا بنا بعد كل هذه السنين نجد نظامًا لم يُقدِّم خلال فترة حكمه التي امتدت أكثر من 25 عامًا شيئًا يُذكر يفتخر به المصريون في أي مجال؛ علمًا وتعليمًا، ثقافةً أو فنونًا، رياضةً أو بحوثًا، اقتصادًا أو سياسةً، حتى إن نفوذ مصر قد انزوى انكماشًا على المستوى الإقليمي والعربي والإفريقي والإسلامي والدولي!! رغم أن مصر قد داينت دولة الاحتلال وقتها قبل الثورة بأكثر من 500 مليون جنيه إسترليني، وكانت ما زالت تقدم للأمة علماء وأدباء وفنانين وعلوم دنيا ودين؛ أي أن ما أوصلنا إليه- قصر اليوم- أسوأ مما كنا عليه قبل قيام الثورة.
فإذا نظرنا إلى الاحتلال فسنرى عجبًا؛ أنه قد تم استبدال الاحتلال الأجنبي باحتلال وطني!! من بني جلدتنا يلبسون مثلنا ويتكلمون بألسنتنا وهم منا ونحن منهم براء؛ لأنهم يحملون أجندة الأجنبي وقد تعوَّد المصريون على الثورة على المحتل الأجنبي الذي يلهم الشعب روح المقاومة والتحدي والإصرار على التخلص منه، بينما أصحاب الاحتلال الوطني يستغلون القرابة ويجعلون معارضته خيانةً وتهديدًا للأمن القومي أحيانًا، والوقوف أمامه تجاوزًا يهدِّد لحمة الوطن فيصبح تحديه مؤامرةً، والصراخ في وجهه سوء أدب، والمطالبة بعزله إثارةً للفتن وإجرامًا وإرهابًا يستوجب بقاء قانون الطوارئ طوال فترة حكمه!! اختلف المصريون وبقي الحال على ما هو عليه لوحدة الجناة واختلاف الضحايا!.
وإذا بحثنا على الإقطاع لوجدنا أنهم قبل الثورة- مقارنةً بإقطاعيِّي اليوم من رجال أعمال ومحتكرين وأصحاب نفوذ- ملائكة؛ كان لأكثرهم قلب رحيم، بل منهم من أسَّس لمصر اقتصادًا قويَّا، ووهب لها عمره وأمواله وفكره! أما إقطاعيّو مصر اليوم فهم بلا قلبٍ، بلا خلقٍ، بلا مشاركة حقيقية في اقتصاد مصر، أعمالهم بلا مردود وطني، ونشاطهم بلا مضمون فعلي ينعكس على حياة المصريين؛ اللهم إلا زيادةً في الفقر وانسحاقًا لطبقة الأمان الوسطى، وامتصاصًا لدماء الشعب المطحون، محاطًا كل ذلك بإذلال وإهانة من حماة الفساد بأوامر من النظام الذي يدبُّ فيه اليوم خلافٌ يتطاير شظاه على الوطن من آنٍ لآخر!!.
والآن جاء حريق الشورى الغامض، كما كان حريق القاهرة غامضًا، ومع تشابه الاضطراب الحادث في صفوف أهل الحكم واستسلامهم لأعداء الوطن ومشاركتهم في حصار الشعوب التي يملكون أمرها أو يتحكمون في حدودها- مصر وأهل فلسطين في غزة- للاضطراب الذي كان في القصر، وتتابع الحكومات في شهور قليلة بعد أن خذلوا أيضًا فلسطين وسلموها للعصابات الصهيونية عام 1948م!! هل يا ترى قد يحدث تغيير سياسي كبير في محاولةٍ لإنقاذ المصريين من سوء اللحظة فسادًا وظلمًا واستبدادًا؟! أظن للإجابة على هذا السؤال نحتاج أن نستحضر المناخ بأكمله، والذي في ظله تربى المصريون، وأن نستعرض الصفات والأخلاق التي كانت في حوزتهم عندئذٍ ونبحث عنها في الوقت الراهن لدى الشعب المصري وعلاقة ذلك باستحقاق النصر من عدمه! وهل في غياب هذه المقومات قد يحدث التغيير الذي ننتظره؟!
كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات واضحة صريحة، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 126)، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 7) ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ (الطلاق: من الآية 3) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: من الآية 40).
دبوس مشبك
في رمضان يتم الإعداد لجيل مؤمن قوي، قريب من الله، لا يخشى سواه؛ لذلك صدرت التعليمات من أمن النظام بمنع التجمعات وقيام الليل والاعتكافات، ولن ينجح في تنفيذ شيء مما وعد به أسياده! فأعدوا أنفسكم في مدرسة القرآن وفصول الإيمان والصلاة والصيام والذكر والقيام إعدادا قويًّا؛ عسى الله أن ينفع الأمة بإخلاص أبنائها، وكل عام وأنتم بخير، ونحن جميعًا إلى الله أقرب، وفي أوطاننا أعز وأكرم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أرسلت لجنة الإغاثة والطوارئ إعلانًا صحفيًّا لجريدة (الأهرام)؛ تقدِّم فيه التهنئة للرئيس مبارك بمناسبة شهر الخير رمضان، وتطالبه بفتح معبر رفح للشعب الفلسطيني ليتمكَّن من الحصول على احتياجاته الإنسانية، فرفضت (الأهرام) المطالبة وأرادت أن تكتفي بالتهنئة!! مَن يحكم (الأهرام)؟ وهل وصلت الأمور لهذا الحدِّ من العناد والتخلي من الإنسانية؟!
----------