وصل الإسلام إلى الفلبين أواخر القرن السادس الهجري تقريبًا؛ بفضل الدعاة التجَّار من شبه جزيرة العرب، ومن ذلك الحين تأسست جالية إسلامية في المنطقة.

 

بعد سقوط غرناطة على أيدي الملك فرناندو وملكة إيزابيلا في القرن الثامن الهجري تقريبًا؛ بدأت مملكة إسبانية توسيع نفوذها إلى أن تولَّى عرش المملكة ملك فيليب الثاني أواخر القرن الثامن الهجري، وقرر اكتشاف العالم تمهيدًا لاحتلاله، وكلف ماجيلان بالقيام بالأمر، وشاء القدر الإلهي أن يرسو بسفنهم بجزيرة ليماساوا ببساياس (وسط الفلبين الآن)، واستقبلهم الأهالي بمقاومة شرسة أدَّت إلى مقتل ماجيلان قائد الحملة.

 

استمر الإسبان في السعي إلى تحقيق مطامعهم الحاقدة، ووصل بهم إلى احتلال جزيرة لوزون (شمال الفلبين الآن) وتنصيرها بعد سقوط الإمارتين الإسلاميتين؛ فإمارة باسيج بقيادة راجا سليمان وإمارة توندو بقيادة راجا ماتاندا بعد قرن من الكفاح ضد الاحتلال الإسباني، ولا تزال الآثار الإسلامية فيها قائمةً، منها قلعة إنترامورو، يعود تاريخها إلى تلك الإمارة الإسلامية، وحوِّلت إلى آثار غير إسلامية بمكانيكية وزارة الثقافة الفلبينية، وهكذا إلى أن تحولت البلاد إلى مسيحية، تقطع صلتها عن ماضيها، وكأن البلاد نشأت صدفةً، فلا تاريخ قبل الاحتلال يُذكر.

 

حاول الإسبان ضم البلاد (منداناو الآن) إلى مملكتها، إلا أن السكان الأصليين أبوا وردوا بمقاومة شرسة أدت إلى التراجع حتى رحلوا عن المنطقة بعد هزيمة أمام الأمريكان في عام 1898 ثم نفس السيناريو جرى في منطقة المسلمين ضد الأمريكان، ولقنوهم درسًا لم ينسوه، في مقاومة باسلة سجَّلها الكتَّاب الأمريكيون المنصفون أنفسهم، إلى أن رحلوا عن البلاد عام 1946.

 

أثناء ذلك أعلن استقلال سيادة فلبينية بضم منداناو إليها، رغم كل مقاومة بذلت ضد هذا الإعلان الذي أخذ شرعية عن ظلم أمريكي.

 

من خلال تلك السيادة المعلنة من قبل الفلبين مورست سياسةُ ظلم وقهر ضد المسلمين الموريين في الجنوب؛ لإجبارهم إلى ترك أراضيهم ومتعلقاتهم؛ ليحلَّ محلَّهم النصارى المحتلون القادمون من لوزون وبيساياس (شمال ووسط الفلبين)، وارتكبوا أبشع جرائم ضد إنسانية تُعرف في القانون بإبادة جماعية.

 

أسس المستوطنون منظمة "إلاجا" أواخر الستينيات، وسجّل التاريخ أحداثًا مريرة ارتكبتها, أودت بمقتل عشرات الآلاف من المسلمين؛ منها على سبيل المثال مذبحة مليسبونج في عام 1974 قُتِلَ أثناءها داخل المسجد أكثر من 800 مسلم، فما غيرها بأقل فظاعةً منها؛ آخرها مذبحة فؤونا فياجابو في 25 من أغسطس 2008 قُتِلَ من خلالها 9 رجال أبرياء من المسلمين على أيدي مليشيات حكومية.

 

وقد قيل بحق "إنه ليس هناك فرد مسلم إلا وهو أو أحد أفراد عائلته ضحية للجريمة الحكومية"!!، وهكذا صار المسلمون أقليةً ومهمَّشون بعد أن كانوا السكان الأصليين وأصحاب الأراضي.

 

فهل بعد كل هذه الجرائم من الاحتلال والمذابح التي تُرتكب ضد حق الأبرياء ونهب الثروات والتهميش الجماعي عن ساحة المجتمع والدولة لا يستحق المسئول عنها المثول أمام محكمة دولية؟ وأليس من حق هذا الشعب الأعزل التمتع بحق تقرير المصير؟

 

إن معاهدة فيرساي التي من أُسُسها مبدأ حق تقرير المصير، وتشير إلى حق كل مجتمع ذي هوية جماعية متميزة في تحديد طموحاته السياسية وبناء النطاق السياسي المفضل عليه من أجل تحقيق هذه الطموحات وإدارة حياة المجتمع اليومية، وهذا دون تدخل خارجي أو قهر من قبل شعوب أو منظمات أجنبية، فهل تمتُّع شعب مورو بجميع هذه المقومات سالفة الذكر لا يستحق هذا الحق المنشود؟ فتسمع هنا وهناك جرائم ضد المسلمين على رؤوس الأشهاد، فلا أحد من المجتمع الدولي يسمع أم أن عماهم أشدَّ من انعدام الضمير نحو الإنسانية التي ينادون بها؟

 

إن جبهة تحرير مورو الإسلامية بصفتها ممثلاً شرعيًّا لشعب مورو بموجب مؤتمر شعبي عُقِد في شهر أغسطس 2005 وحضره أكثر من ثلاثة ملايين من السكان باختلاف الأطياف والشرائح؛ أسفر عن منح تفويض جديد للجبهة الإصلاحية في التمثيل لبت نداء حكومي إلى عقد محادثة سلام منذ 1997م رغم خروقات حكومية؛ أبرزها إطلاق عنان الحرب الشاملة ضد كيان مورو تبنَّاها الرئيس المخلوع جوزيف أسترادا في عام 2000 ثم بنفس النهج سلكت الرئيسة جلوريا أرويو بسحق الشعب بأكمله، وكان ذلك أثناء قيام صلاة عيد الأضحى عام 1424هـ، إلا أن الجبهة وراء ذلك كله مصممةٌ على حل القضية بحلول سلمية؛ فهل بعد هذا الحق المقرر من قبل المجتمع الدولي يكون إيجاد حلها حرامًا على المسلمين حلالاً لغيرهم؟ وإلا فأين المجتمع الدولي ليتدخل؟

 

وبالفعل توصل الجانبان (حكومة الفلبين وجبهة تحرير مورو الإسلامية) إلى ما في هذا المعنى في 28 من شهر أغسطس 2008م ونص في الفقرة الخامسة من الباب الأول: "يؤكد كلا الطرفين التزامهما بالاحترام المتبادل، وأن يكون لكلٍّ الحقُّ في الهويَّة والمساواة في التقدير داخل الجماعة السياسية, وأن تشكل حماية الحقوق المدنية والحرية الدينية لكل الأفراد أساس السلام والعدل لمجموع العلاقات".

 

هذا المسعى العظيم قوبل بمعارضة شديدة من هؤلاء "أبناء إلاجا" بمنداناو، واحتجوا أمام المحكمة العليا الفلبينية واستنفر إمانويل بنيول نائب محافظ كواتاوتو الشمالية وغيره من عمدتي مدينتي زامبوانجا وإليجان أتباعهم من أبنائهم بقيام الثأر ضد المسلمين؛ فاضطر الأخير إلى الدفاع عن أنفسهم، وأدى ذلك إلى نشوب معركة ضارية بتعزيزات حكومية؛ بحجة ضرورة إلقاء القبض على قائدين في الجبهة (أميريل العمرة وعبد الله مكاعبار)، ما أدى إلى تشريد أكثر من مائة وثمانين ألفًا  من السكان.

 

وقامت القوات الحكومية بإنشاء نقطة تفتيش في الطرقات المؤدية إلى المناطق المسلمين، بل إلى مراكز الملاجئ، يصادر من خلاله ما يزيد عن 5 كيلو جرامات من الأرز الذي بحوزة المارّ المسلم وغيره من المواد الغذائية؛ بذريعة ما قد يساعد الزائدة منه على المجاهدين, مع أن واقع المسلم في هذه الآونة يستدعي توفير التموين اللازم لهم أثناء هذا الشهر المبارك، وهذا الذي اعتاد عليه هؤلاء في حياتهم الطبيعية بالاستعداد بما يكفيهم في الشهر الكامل من المواد الغذائية.

 

فهل الذين قاموا بعرقلة مساعي السلام ومقتل العشرات من الأبرياء والمئات من عناصر الجانبين وتشريد الآلاف بنطاق واسع والدعوة إلى الثأر ضد جماعة لا يستحقون المثول أمام محكمة لاهاي الدولية؟ أم أن القضية أقل من هذا الشأن؛ إذ إن الضحايا من الدرجة الثانية فإنهم مسلمون والميزان يكيل بمكيالين؟ فهل يقتصر دور إخواننا من المسلمين على التفرج إلى أن يأتي الفرج لإخوانهم المسلمين؟

 

كلا.. فإن لكم لدورًا فعالاً في ضغط حكومتنا؛ بمنع عن عمالة الفلبينيين غير المسلمين؛ حيث إن حكومة الفلبين تعتمد بقدر كبير في اقتصاديتها على رعاياها التي تشتغل في الدول الإسلامية؛ فالمرمى إليكم يا دعاة المنبر وغيرهم من أطياف المجتمع لهذا العمل العظيم "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"؛ فالأمر بالمقابلة؛ حيث إن إخوانكم في العاصمة (مانيلا) من المسلمين يستلزم لحصول العمل أن يغير اسمه (محمدًا) إلى (جون) ليجد فرصة العمل وحتى لا يعرف أنه مسلم.

 

نطالب إخواننا المسلمين في كل مكان أن لا ينسوا إخوانكم المجاهدين من صالح دعائكم خاصةً في ليالي القيام ونهار الصيام.