في 27/8/2008م أعلن في بريطانيا أن الحكم الذي صدر بسجن المواطن الليبي المتهم الثاني بتفجير الطائرة الأمريكية فوق قرية لوكيربي في أسكتلندا عام 1988 سوف يعاد النظر فيه على ضوء اكتشاف السلطات القضائية البريطانية أن شاهد الإثبات الرئيسي أدلى بأقوال كاذبة مقابل مليونين من الجنيهات الإسترلينية، وكانت سلطات التفتيش القضائي في أسكتلندا قد أعلنت منذ عام أن الحكم شابَهُ بعض الأخطاء، من بينها عدم الاعتداد ببعض الوثائق التي كان من شأنها أن تغير وجه الدعوى.

 

نود أن نذكر قبل تحليل الآثار المترتبة على هذه التطورات بأصل الموضوع، وهو أنه في 21 ديسمبر 1988م انفجرت فوق لوكيربي الطائرة الأمريكية في رحلتها رقم 103 المتجهة من مالطة إلى نيويورك مرورًا بألمانيا، ولكنها انفجرت وهي تمر في الأجواء البريطانية وخلَّفت 298 قتيلاً من جنسيات مختلفة أغلبها بريطانية وأمريكية، ولاحظ قاضي تحقيقات نيويورك أن اسم مواطنَين ليبيَّين قد ورد في هذه التحقيقات فطلب من ليبيا أن يستمع إلى أقوالهما لأنهما دخلا في مرحلة الاشتباه، وظلت الإشارة إلى أنهما مشتبه فيهما حتى صدور الأحكام النهائية.

 

وقد اعتبرت الحكومتان الأمريكية والبريطانية أن المشتبه فيهما مذنبان، ووجَّهتا مذكرةً إلى الحكومة الليبية في نوفمبر 1991م، أكدتا فيها أن ليبيا الدولة هي المتهم باعتبار المواطنَين المذكورَين يعملان بجهاز المخابرات الليبي، وعلى ليبيا أن تدفع التعويض المناسب، وأن تقر بمسئوليتها القانونية، وأن تبرهن- بإجراءات محددة- على أنها قد كفَّت عن ممارسة الإرهاب.

 

وتحركت الدولتان ومعهما فرنسا في البداية لاستخدام مجلس الأمن لأول مرة بعد انتهاء الحرب الباردة لكي يخوض المجلس في مسألة تسليم المواطنين لمحاكمتهما أمام المحاكم البريطانية أو الأمريكية؛ فصدر بذلك القرار رقم 731 في 21/1/1992م الذي رفضته ليبيا أيضًا، ولكن د. بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة حينذاك سافر إلى ليبيا ويبدو أنه نصحها بتسوية القضية سياسيًّا بما يُرضي أمريكا وبريطانيا، وأن جوهر المشكلة هو العلاقات الليبية الأمريكية والبريطانية المتوترة، وأن مجلس الأمن أداة للضغط من أجل مثل هذه التسوية.

 

واتجهت ليبيا إلى محكمة العدل الدولية؛ على أساس أنها قضية قانونية تتعلق بتفسير اتفاقية مونتريال الخاصة بسلامة الطيران المدني الدولي، وظلت القضية من 3/3/1992 حتى 28/2/1998 يوم أن قررت المحكمة أن المسألة قانونية جرت خلالها جهود التسوية السياسية.

 

وقد تضمنت التسوية السياسية الشاملة أن يتم محاكمة المشتبه فيهما أمام محكمة أسكتلندية على الأراضي الهولندية تحت إشراف الأمم المتحدة، على أن يتم الطعن على أحكامها أمام الاستئناف الأسكتلندي، وأن تدفع ليبيا تعويضات مجزية لأسر الضحايا، وبذلك يفتح الباب أمام علاقات دبلوماسية واقتصادية عادية، مقابل ذلك، وأن يرفع حظر الطيران عن ليبيا وعن خطوطها الجوية، وذلك بعد 13 عامًا من رهن الشعب الليبي تحت رحمة هذا الاتهام، وكان من بين شروط الصفقة أن تعترف ليبيا بالمسئولية القانونية عن الحادث وآثاره، وهذا شرط سبق كل بنود التسوية.

 

وقد جرت المحاكمات أمام المحكمة الأسكتلندية في لاهاي بهولندا، وقدم المتهمان بنفس التهمة وبنفس الأدلة، ولكن المحكمة برَّأت أحدهما وحكمت بسجن الثاني عشرين عامًا؛ فما هي الآثار القانونية المتصلة بمجمل الدعوى بعد أن تكشف فساد إرادة الشاهد الرئيسي الذي كانت شهادته هي السبب الرئيسي في سجن المواطن الليبي؟

 

لقي حكم المحكمة الأسكتلندية منذ البداية نقدًا شديدًا، كما أنه نظر إلى المحاكمة على أنها جزء من مخطط سياسي تم فيه توظيف مجلس الأمن واستغلال مأساة الطائرة، وإذا المواطنان الليبيان بريئان فمن ارتكب هذه الجريمة؟ وما مصير المدة التي قضاها السجين؟ ومصير الأموال التي دفعتها ليبيا؟

 

إن الطعن في سلامة الحكم ينصرف إلى الطعن في مجمل القضية، وتكون الأدلة المقدمة لإثبات تورط ليبيا مزورة، وإن الاستهداف السياسي لليبيا قد كلَّف شعبها وخزانة الدولة والمواطنين المال والإجهاد النفسي والعصبي وفوات العديد من المنافع خلال فترة الحظر الطويلة في عقوبات مزدوجة فرعها الأول عقوبات أمريكية، وفرعها الثاني عقوبات مجلس الأمن.

 

إن فساد القضية وبطلانها رد اعتبار قانوني وأدبي لليبيا، ويكفي ليبيا اعتراف بريطانيا وأمريكا بالخطأ وإن كان متعمَّدًا، وإن شئنا العدل النسبي فيجب أن ترد الأموال إلى ليبيا وأن يدفع لها تعويض عما أصابها في هذه الملحمة، ويبدو أن واشنطن قد شعرت بالخجل خلال السنوات القليلة الماضية بعد التسوية؛ فرفض قضاؤها الكثير من دعاوى التعويض التي رفعت ضد ليبيا إما اقتناعًا ببراءة ليبيا، أو شعورًا بالمبالغة في استغلال ليبيا.

 

أما الدفع بحصانة الدولة الليبية وهو الغطاء القانوني الذي استخدمته الإدارة الأمريكية لمنع إزعاج ليبيا، فقد سبق أن رفضته السلطات السياسية والقضائية الأمريكية، فأصبح إنصاف ليبيا الجديدة من تجليات العدالة الأمريكية النادرة.