ما الذي كان ينتظره مليون ونصف المليون إنسان محاصرون منذ عامٍ ونصف، في بقعة لا تتجاوز 360 كيلومترًا مربعًا، (هي حدود قطاع غزة) من 44 ناشطًا حقوقيًّا أجنبيًّا يمثلون 17 بلدًا غربيًّا؛ منهم من يحمل الجنسية الأمريكية، والبعض الآخر ممن يدينون بالديانة اليهودية- اعتقلت السلطات الصهيونية أحدهم بعد ذلك- قطعوا رحلة استغرقت 40 ساعة من الإبحار من قبرص إلى قطاع غزة؟

 

سؤالٍ يحتاج إلى إجابة منفردة من كلِّ عربي ومسلم، ثم ألم تَكْفِ مدة الحصار هذه- بأوامر "صهيوأمريكية"، وبتنفيذٍ عربي- لأن تدفع ما يزيد عن المليار ونصف المليار مسلم إلى التحرك الفاعل والجاد لوقف هذه "المهزلة" التي تستهدف الأبرياء والنساء؟!

 

بل ما الذي دفع هؤلاء الناشطين إلى تحدي التهديدات الصهيونية "الجادة" بإغراق سفنهم في حال اقتربوا من شاطئ غزة، وهم يعلمون تمام العلم أن العدو الصهيوني يستطيع تنفيذ مثل هذا التهديد إن أراد؟! (بالمناسبة الصهاينة تراجعوا في اللحظات الأخيرة عن تنفيذ تهديدهم هذا، وسبب ذلك يعود إلى الخوف من الهجمة الإعلامية العالمية المرافقة للسفينتين)، ومع ذلك تحدوا أنفسهم، وتحدوا لغتهم وجنسياتهم (ألمان، طليان، إسبان، أمريكان، وفرنسيين وغيرهم)، كما تحدَّوا دياناتهم المختلفة (بروتستانت، كاثوليك، أرثوذكس)، ليأتوا من أقاصي الأرض لكسر الحصار عن مليون ونصف المليون إنسان عربي يموتون بشكلٍ بطيء ولكن مستمر.

 

ما هو مقدار الشكر الذي من الممكن أن نقدمه إلى هؤلاء المتضامنين الأجانب؟! كما أنه من المهم أن نعرف بماذا سنجيبهم، حين تساءل أحدهم على شاشة (الأقصى) بالقول: "نحن هنا الآن في غزة.. فأين أنتم يا عرب؟!"، بعد أن فعلوا المستحيل الذي لم نستطع التفكير به فضلاً عن تنفيذه.

 

يبدو أن ركاب السفينتين فهموا لعبة الحصار جيدًا؛ فالمستهدف من الحصار بالدرجة الأولى هم الأطفال والنساء والشيوخ، واستهداف هؤلاء يعتبر جريمة حرب ضد الإنسانية، والاحتجاجات والتنديدات، إضافةً إلى المسيرات والاعتصامات، لن تَثنيَ العدو الصهيوني عن متابعة لعبته "القذرة" تلك.

 

بحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة فإن ‏8‏ من كل ‏10‏ عائلات أصبحت تعيش تحت خط الفقر، فيما منعت السلطات الصهيونية ألف مريضٍ من السفر لتلقِّي العلاج في الخارج، علمًا بأنه يوجد في القطاع ‏450‏ مريضًا بالسرطان‏,‏ و‏400‏ مريض بالفشل الكلوي‏,‏ وما بين‏ 400‏ و‏450‏ مريضًا بالقلب لا يجدون علاجًا بسبب نقص الأدوية وانقطاع التيار الكهربائي.

 

فَرْض الحصار الصهيوني على قطاع غزة نوع من أنواع "التأديب الديمقراطي" بسبب ما أفرزته نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة من اختيار الفلسطينيين لحركة حماس، وثمة رسالة تريد أمريكا إيصالها إلى بقية شعوب العالم العربي والإسلامي تقضي بتوخي الحيطة والحذر في اختيار ممثليهم في السلطة مستقبلاً، والابتعاد كل البعد عن الإسلاميين، وإلا فإن النتائج ستكون وخيمة ولا يُحمد عقباها.

 

في مقابل كل هذا.. مفاجأة من العيار الثقيل تلك التي فجَّرتها السفارة المصرية في عمان، حين أغلقت أبوابها في وجه ممثلي الشعب الأردني الذين هبوا لنجدة أشقائهم في غزة، ومطالبتهم الشقيقة الكبرى مصر بفتح معبر رفح.

 

هناك من يرى أن مصر تلعب دور الوسيط في القضية الفلسطينية وليس الشريك كما يؤمل منها ويراد لها، كما أننا يجب أن نقول إن مصر تكيل بمكيالين فيما يخص حركتَي فتح وحماس الفلسطينيتين؛ فالتعامل الأمني يكون مع حماس (مدير المخابرات المصرية)، والسياسي مع فتح (الخارجية المصرية).

 

هل تعلم الشقيقة مصر أنها بحدودها المغلقة مع قطاع غزة تنفِّذ أجندات خارجية لا تريد مصلحةً للشعب الفلسطيني في العيش بكرامة، والمطلوب من أكبر دولة عربية، أن يكون موقفها أكثر تناغمًا مع موقف شعبها، الذي طالما كان كالصخرة التي تحطَّمت عليها آمال يهود من النيل إلى الفرات؟!