﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: من الآية 41)، تذكرت هذه الآية بعدما شاهدت حريق مجلس الشورى؛ ذلك الحريق الذي ألقى بظلاله وبثقله علينا، وأصابنا بذهول وأسف وحنق وضيق وكل مفردات أمراض ضغط الدم والقلب، وطرح أمامنا سؤالاً دائمًا ما كان يتردد بيننا حول مقدرة حكومة الطوارئ على إدارة شئون البلاد وقيادتها إلى برِّ الأمان؟ ولقد أصابتنا الحسرة جميعًا من سؤال مذيعة إحدى القنوات الفضائية، وهي تسأل ضيفها المصري: هل في مصر إمكانيات للسيطرة على الحريق أم تحتاج إلى معدات إطفاء ومساعدات من دول أخرى؟ وهل تتوفر في مصر مستشفيات وأطباء يعالجون الإصابات الناتجة عنه؟ أهذا سؤال يوجه إلى مصر القيادة والريادة والزعامة العربية؟ أوصل بنا الحال إلى هذا الحد من السخرية والاستهزاء بقدراتنا وإمكانياتنا؟ هل هذا السؤال يعبر عن مكانة مصر؟ حسبنا الله في حكومة الطوارئ التي أوصلتنا إلى هذا الضعف والهوان والإهمال والتدني إلى أدنى المستويات بين الأمم والشعوب.
كارثة الكوارث
لقد كان حريق الشورى بمثابة كارثة الكوارث بكل المقاييس، فحينما نعجز عن مواجهة حريق التهم مبنى مجلس الشورى فهي كارثة، وحينما لا نسيطر على الحريق إلا بعد أكثر من 15 ساعةً انتهى خلالها كل شيء فهي كارثة أخرى، وحينما يلتهم الحريق أعرق وأهم مبنى في مصر ذلك المبنى التاريخي صاحب الـ200 عام، والذي شهد محاكمة الزعيم أحمد عرابي، والذي دون به أول دستور لمصر سنة 1923م فهي كارثة، وحينما يلتهم الحريق تاريخ مصر عبر وثائقها القديمة وتراثها التاريخي تلك الوثائق التي لا تُقدَّر بثمن والمحفوظة منذ عقود، بها تاريخ مصر وتحوي تسجيلاً للحياة السياسية المصرية وأوراقًا تتعلق بكل الشأن المصري، داخليًّا وخارجيًّا فهي كارثة، وحينما يكون مبنى بهذه القيمة وهذا الحجم ولا توجد به أجهزة وقائية فهي كارثة، حينما يكشف الحريق عن إهمال جسيم في عمليات الأمن المدني أو الصناعي؛ مما يجعل تعرُّض المباني المهمة لأية أعمال تخريبية أمرًا واردًا فهي كارثة، وحينما ترفض الأجهزة الأمنية استخدام ثاني أكسيد الكربون في مكافحة النيران؛ تجنبًا لردم المباني المجاورة- مجلس الوزراء ووزارة الصحة والجامعة الأمريكية والسفارة الأمريكية- بالمسحوق الأبيض فهي كارثة.
شيخوخة نظام
وحينما يصرح أحد المسئولين "بأن الأمر بسيط يمكن السيطرة عليه، والحريق تحت السيطرة" وبعدها يكتشف الجميع أن الحكومة هي التي تحت سيطرة الحريق وليس العكس فهي كارثة، وحينما يتحدث مسئول رفيع المستوى قائلاً: "سنسعى لعمل خطة تأمين من أكبر ما تكون حتى لا تحدث مثل هذه الحرائق مرة أخرى"، فهي كارثة، حينما يدعو وكيل مجلس الشورى الشعب للتبرع لإعادة بناء المجلس المحروق فهي كارثة، وحينما يعلن رئيس اتحاد الكرة التفكير في مباراة دولية ودية يخصص ريعها لبناء المجلس المحترق فهي كارثة، وحينما يكون تعليق رئيس الدولة على الحريق أن المبنى سيعاد بناؤه على نفقة الدولة والتي هي أصلاً من أموال الغلابة فهي كارثة، وحينما تكون حالة الترهل والشيخوخة التي أصابت الدولة "نظامًا وشعبًا" في التعامل مع الأزمات ومنع الكوارث هي السائد فهي كارثة، فهل لنا بعد ذلك أن نتحدث عن بنية أساسية ومشروعات عملاقة ودولة يحترمها العالم؟ لا نملك حينئذٍ إلا أن نقول: كذب ونفاق يا حكومة الطوارئ.
وحينما تكون تعليقات العامة من الناس بالدعوات باستمرار الحريق وامتداده إلى مجلس الشعب ومجلس الوزراء فهي كارثة، وحينما يراني أحد المواطنين مهمومًا وأنا أشاهد الحريق فيقول لي "وأنت زعلان عليهم ليه؟" فهي كارثة، وحينما تكون تعليقات الناس تشير إلى موت معاني الانتماء للوطن في نفوس المواطنين بفضل الحكومة الرشيدة فهي كارثة، وحينما لا نستطيع محاسبة المسئول عن تدني مستوى أجهزة إنذار وإطفاء مبانٍ سيادية تاريخية كمجلس الشورى بسبب الفساد فهي كارثة، ولذلك فنحن نقر بأن حريق الشورى بمثابة كارثة بكل المقاييس، فهو النقطة السوداء في تاريخ حكومة الطوارئ وهو حريق نظام كامل بعد تفشِّي فساده وافترائه على كل الشعب وعجزه عن أداء أقل الواجبات المفروضة عليه، بل وفشله في حماية التراث الوطني والملكيات العامة والآثار المصرية.
حرائق عدة
لم يكن حريق مجلس الشورى كارثة فقط، ولم يكن حريقًا واحدًا فحسب، فقد احترق مع المبنى كل شيء جميل في حياتنا، احترق المبنى الرمز والتراث، احترق المبنى واحترقت معه مصر الحضارة والتقدُّم، واحترقت معه مصر الريادة والقيادة، واحترق معه تاريخ مصر القديم والحديث، واحترقت معه كل القيم النبيلة، بل واحترق معه الوطن، واحترقت معه قدرتنا على إدارة الكوارث والأزمات، احترق المبنى واحترقت معه كل ملفات الإدانة في قضايا الفساد المستشري في البلاد، بدءًا من ملفات أكياس الدم الفاسد، وملف العبَّارة الغارقة، وملفات حرائق القطارات، وملفات تهريب الأموال للخارج، وملفات أخرى كثيرة للفساد والمفسدين لقيت حتفها، وعلى الفساد ألا يخاف وألا يحزن، وأن يبدأ صفحةً جديدةً لفسادٍ جديدٍ مع عصر جديد ومجلس شورى جديد، ولا أعتقد أن الحريق سيغير من طبيعة الفساد والمفسدين، أو أن تقف معه الحكومة وقفةً جادةً وحازمةً محللةً أسبابَه ومتخذةً خطواتٍ راشدةً، بل ستكون وقفتها معه مثل مرور الكرام، وستمضي بنا قدمًا نحو الخراب والدمار، وسننتظر منها الكارثة القادمة- برًّا أو بحرًا أو جوًّا- بكل ثقة وطمأنينة، فالحقيقة شاهدة عليهم ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11)، فإلى المزيد من الأصفار والكوارث والأزمات يا حكومتنا الرشيدة، ولك الله يا مصر وحسبنا الله ونعم الوكيل.