بعد 28 سنة طوارئ هي كل فترة حكم الرئيس مبارك، وبعد وعود الحكومات المتعاقبة والمتكرِّرة للحزب الوطني الديمقراطي بعدم استخدام الطوارئ إلا ضد الإرهاب والمخدرات.. نجحت الحكومة بالفعل في القضاء على الإرهاب، فتقلصت بل انتهت تمامًا الاعتداءات على الآمنين، سواءٌ من السائحين أو المواطنين العاديين، وبقيت المخدّرات بل ترعرعت وازدهرت؛ ليس لأن قانون الطوارئ أو القوانين العادية عاجزة، لا سمح الله، عن مواجهتها، ولكن لإرادة متنفذة تستفيد من هذه الأوضاع مثل التربُّح أو في صناعة الإجرام للاستفادة منهم وتوظيفهم في أغراضٍ شتى، مثل مواجهة المتظاهرين والمعترضين على مشاكل الوطن المختلفة أو في تزوير الانتخابات و"تقفيل" الصناديق ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم.
ورغم قانون الطوارئ إلا أننا نجد أنه في أحداث "قرية النخيلة" ما يشيب له الولدان ويؤكد تواطؤ بعض كبار المسئولين الأمنيين؛ ما يستوجب بل يحتم محاسبتهم جنائيًّا وسياسيًّا.
ثم جاءت أحداث نجع عبد الرسول صورةً مشابهةً تمامًا لأحداث قرية النخيلة: مخدرات وأسلحة خفيفة ومتوسطة وثقيلة في رعاية قانون الطوارئ وتحت عينيه للأسف الشديد، ومع ذلك لم تفكر الحكومة أو الوزير المسئول في أن تقدِّم أو يقدِّم استقالته ذرًّا للرماد في العيون وإعلانًا عن شجاعة تحمُّل المسئولية السياسية "على الأقل"، وهي صفة اختفت من حكامنا واندثرت من أدبياتنا؛ تحتاج إلى من يبتعثها من جديد، ويقدِّم النموذج والقدوة، وهذه يمكن أن نستوردها من كافة بلاد العالم أجمع، وعلى الأخص اليابانيون الذين انتحر منهم وزراء كثيرون لأخطاء، وليست جرائم، رأوا أنهم مسئولون عنها أدبيًّا وسياسيًّا فكان ما كان!.
ورغم كل هذا إلا أن المخدرات ما زالت تجارة منتعشة بل وآمنة إلى حد كبير؛ فقد أبلغت السيد وزير الداخلية عن أسماء وأماكن تجار مخدرات بالإسكندرية، وخلف قسم الشرطة مباشرةً، إلا أننا لم نسمع عن أي إجراء اتخذه سيادته أو حتى من الإدارة المسئولة عن تجارة المخدرات، وما زال تجار الصنف يباشرون مهامهم بأمان حتى تاريخه.
بل إن الأمر تطوَّر إلى مشاجراتٍ علنيةٍ تُستَخدم فيها السيوف والسنج والمطاوي والشوم؛ نتج منها تحطيم محلات وإصابات وجروح للتنافس بين "العائلات" على أماكن بيع المخدرات في واحدةٍ من أشهر أماكن الإسكندرية "محرم بك"، ولما ألقت الشرطة القبض على المتشاجرين أمرت النيابة بضبط وإحضار 3 وحبس 10 لمدة 4 أيام وتوجيه تهمة إثارة الشَّغَب والإتلاف وتدمير 3 محلات!.
وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على أن قانون الطوارئ وُضِعَ "لتدليع وبغددة" تجار المخدرات وتنشيط تجارتها؛ فالنزاع من أجل التنافس على أماكن توزيع المخدرات، تصفه النيابة بـ"إثارة شغب"، وتحبسهم 4 أيام، بينما أساتذة الجامعة أو طلابها أو المهنيون أو المواطنون المحترمون الذين لا يتعاطون المخدرات ويتعاطون السياسة فأقل مدة أمام ذات النيابة هي 15 يومًا ثم اعتقال من قِبل الداخلية؛ لأن تعاطيَ السياسة في نظر حكومات الحزب الوطني الديمقراطي أشدُّ خطورةً من تعاطي المخدرات، ويستوجب تطبيق قانون الطوارئ بقسوة حتى يتم علاج هذا الداء الأسود من عقول وأفئدة الشباب والمواطنين.
حتى إن الآنسة إسراء عبد الفتاح تم حبسها من قِبل النيابة ثم اعتقالها من قِبل الشرطة بإجراءات أشدُّ؛ لأنها دعت إلى إضراب إليكتروني من خلال جهاز الكمبيوتر الخاص بها، وأعتقد لو أن إسراء شاركت في توزيع المخدِّرات من خلال الكمبيوتر لما تعرَّضت لما تعرَّضت له، بل لحازت على جائزة إبداع من إحدى الجهات مثلاً!.
وفي حين أن الصنف (المخدرات) متوافر وبكثرة وتستطيع الحصول عليه بدون مشقة بكل أصنافه وأنواعه وعلنًا "على عينك يا تاجر" نجد أن هناك صعوبةً شديدةً في الحصول على رغيف الخبز مثلاً أو علبة لبن أطفال أو البنزين 80، بل ويتم التعامل معها كما هو مفترض التعامل مع سلعة ممنوعة مثل المخدرات مثلاً.
المثير في الموضوع أن هذه الأصناف (الخبز- لبن الأطفال- بنزين 80) لها وزراء وموظفون وإدارات مسئولة عن توفيرها للشعب، وتحظى بتوجيهات عليا مستمرة لتوفيرها، أما الأصناف الأخرى (المخدرات) فليست لها وزارة وليس لها إدارات وليس لها موظفون مسئولون عن توفيرها للمواطنين- أو هكذا يُفتَرض- والأُولى أصبحت نادرةً وصعبةً، بينما الثانية سهلة ميسَّرة وفي متناول الجميع، وهذا ينتهي بنا إلى أحد اقتراحين:
1- إما أن نلغيَ الوزارات المسئولة عن توفير الخبز واللبن والبنزين، وحينها ستتوفر تلقائيًّا بالأسواق.
2- أو نُنشئ وزارةً لتوفير المخدرات و"الكيف" للشعب، وحينها ستختفي تلقائيًّا من الأسواق.
أخيرًا.. أخشى أن نرى في الفترة القادمة خطوةً متقدمةً لتجار المخدرات بالإسكندرية وهم يقومون بحملة لافتات إعلانية جريئة لتهنئة الشعب السكندري بشهر رمضان المبارك، مع شكر للداخلية على مراعاة التوزيع الجغرافي للمخدرات وحل النزاعات وديًّا بين تجارها.
بل أخشى أن نصل إلى درجة أن نقرأ إعلانًا مدفوعَ الأجر في الجرائد القومية يقول: "عائلات فلان تهنئكم بحلول شهر رمضان المبارك وتعلن عن توافر البانجو والحشيش بأسعار تنافسية خلال الشهر الكريم، أما الهيروين فسنوفره في أيام الأعياد بأسعار مفاجئة.. انتظرونا"، ونحن منتظرون.
-------
* نائب الشعب- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.