تنظم الجماعات المناهضة للسياسات الأمريكية ضد إيران حملةً واسعةً لاستنهاض العالم ضد ما يحتمل أن يكون ضربةً منسقةً صهيونيةً أمريكيةً تؤدي في الحد الأقصى إلى حربٍ عالميةٍ، وفي حدها الأدنى إلى دمار المنطقة وعودتها إلى قرون سابقة تحت عنوان محاولة الكيان الصهيوني منع إيران من التسلح النووي والمحافظة على احتكاره للسلاح النووي وكل أنواع أسلحة الدمار الأخرى، ولكن الصراع بين الكيان الصهيوني وإيران ليس على الملف النووي بقدر ما هو محاولة الكيان الصهيوني أن يمحو كل قوةٍ أخرى تنازعه أو تقتسم معه السيطرة على المنطقة، فلا بد أن نُسلِّم بأن الملف النووي الإيراني أساسًا ملف سياسي، تهدف إيران منه إلى أن تعلن عن نفسها كقوةٍ إقليميةٍ وتريد أن تكون القدرات النووية أحد أهم مؤهلات الاعتراف بها.

 

ولذلك لا يفصل بين احتمالات التسوية واحتمالات المواجهة فاصل كبير، لكن المشكلة هي أن الكيان الصهيوني الذي يتحكَّم في مدخلات القرار الأمريكي اختار أن يحرم إيران من هذه الورقة؛ وذلك بالقضاء على القوة الإيرانية فتصفو لها الأجواء مع سوريا وينمحي حزب الله وتنكمش حماس وتستطرق المنطقة عند خط الاعتدال ويصبح الكيان الصهيوني رسميًّا الحامي للمصالح الغربية والمهيمن على المنطقة.

 

الفرضية الثانية في هذا التحليل هي أن العالم العربي قد انسحب تمامًا وقنع من الغنيمة بالإياب رغم أوراقه الهائلة، لكنه الوهن الذي حذَّر منه الرسول- صلى الله عليه وسلم-، الذي سيطر على صناعة القرار في النظم العربية، ولو أراد العالم العربي لانكمشت إيران والكيان الصهيوني معًا؛ لأن الغنيمة قد انتفضت فلم يعد هناك ما يدعوهما إلى التكالب.

 

والحق أنني أشعر بالأسى على هذه الأمة التي تغلي جماهيرها ويُهمَّش الأصحاء فيها، وتنسحب الحرارة من قلوبِ نخبتها السياسية في ظرفٍ بالغ الدقة، فلا يكادون يدركون أن هذا الانسحاب هو الذي سيورد الجميع مورد التهلكة، بعد أن أصبح الجسد العربي مسجى تتناهشه الدول الجسورة.

 

الفرضية الثالثة: هي أنه إذا كان الصراع الإيراني- الصهيوني على جسد الأمة صراعًا سياسيًّا عنوانه الملف النووي، فإن العالم كله يدرك أن ضجة هذا الملف واستنفار العالم كله هو تحقيق لمصلحة الكيان الصهيوني إما بإلغاء إيران أو التفاهم مع إيران، وكلاهما صراع وتصالح على جسد هذه الأمة.

 

ولكن إنقاذ العالم من حماقاتِ الكيان الصهيوني وأمريكا لن يتم إلا بأن يظهر العرب بسرعةٍ على الساحة، بعد أن أصبح ظهورهم ضرورةً لسلام المنطقة والعالم، وظنَّ الحكام في العالم العربي أن هذا الظهور ترفٌ تعوقه إرادات الأقوياء وهم ليسوا منهم وهم يعلمون أنهم يحكمون شعوبًا غاصبةً كارهةً مرهقةً لا تقبل هوان حكامها باسمهم، وهم يملكون كل أوراق القوة، ولكنهم قبلوا الدنية في دينهم ودنياهم وهانوا على أنفسهم فهانوا على غيرهم.

 

إن إيران وهي تتمسك بحق مشروعٍ في تخصيب اليورانيوم لا تخالف أحكام اتفاقية منع الانتشار النووي، بل تلتزم الدول النووية بمساعدتها وفق هذه الأحكام، والوكالة الدولية للطاقة الذرية هي وحدها المسئولة عن تحديد مدى التزام إيران بالاتفاقية، وحتى لو انتهكتها إيران فهي تستطيع الانسحاب منها بحريةٍ تامةٍ بموجب المادة العاشرة من الاتفاقية، فما دخل أمريكا والدول الغربية التي تستصدر قرارات باطلة من مجلس الأمن تفتقر إلى أي سندٍ قانوني لمعاقبة إيران وإضعافها حتى يتمكَّن منها الكيان الصهيوني، ثم يتباكى الجميع على إغلاق مضيق هرمز والخوف من مهاجمة إيران لدول الخليج التي تحتضن القوات الأمريكية؟، فلماذا لا ينفض العرب عن أنفسهم هذا الخضوع والاستمرار الغريب لمشهدٍ تتكالب فيه الأمم عليهم كما تتكالب الأكلة على قصعتها بنص الحديث الشريف؟، أم هو قدر مقدور لا سبيل إلى دفعه؟

 

ولماذا يدفع العالم كله ثمن سيطرة الكيان الصهيوني على المنطقة من أمنه واستقراره ورخائه ويستفز قواه لحصر إيران ودعم الكيان الصهيوني؟ والغريب أن إيران التي تساند المقاومة العربية بصرف النظر عن مقاصدها قد أصبحت هي العدو عند الفيلق العربي الصهيوني الذي يحلم بيومٍ تصفو فيه الأجواء العربية والكيان الصهيوني ينهش في لحومنا ويغتال أسرانا؟ ألا يدرك هؤلاء مدى المأساة الأخلاقية التي أصابتنا بسببهم عندما نرجو من حزب الله أن يقايض الكيان الصهيوني على رفات شهدائنا الذين اغتالهم الكيان الصهيوني استخفافًا بنا؟.

 

إن ظهور العامل العربي في المعادلة سهل ميسور إذا توفرت الإرادة وإدراك المخاطر المترتبة على انسحاب هذا العامل، وقد أغرى هذا الانسحاب العربي من قضاياه واشنطن لكي تحاول استدراجه إلى جانب الكيان الصهيوني في أي مقامرةٍ صهيونيةٍ أمريكية ضد إيران، علمًا بأن الانسحاب يعني افتقاد الإرادة لاتخاذ موقف حتى لو كان موقف الحياد.

 

وعندي أن ظهور العالم العربي الآن أصبح ضرورةً ملحةً يجب أن تشجع أوروبا عليه؛ لأن أوروبا تتعامل بأسى مع غياب العالم العربي بعد أن استحثته على الصمود في الملهاة، ولكن هذا الظهور يتطلب خطةً منسقةً تبدأ ببحث مخاطر المواجهة العسكرية بين إيران والكيان الصهيوني وأهمها ضياع دول الخليج ولبنان ودخول سوريا في ورطة لا يدركها إلا الله وإذا تمكَّنت إيران من الإضرار الجدي بالكيان الصهيوني والقوات الأمريكية أو صمدت أمام الهجمات فلا أظن أن الشيعة في الدول العربية الخليجية وغيرها سيقفون على الحياد فتضطرب مصادر الطاقة والدخل، كما تصاب المجتمعات بأفدح الأضرار، ولا يستبعد أن تستخدم القدرات النووية، خاصةً إذا كان لدى إيران شيء منها فيدخل العالم والمنطقة في منطقة مظلمة، وكل ذلك لأن العالم والعالم العربي منساق وراء دفع الكيان الصهيوني الأمور في هذا الاتجاه.

 

أما تعويل الغرب على انقلاب عسكري في إيران يعيد الساعة إلى ما قبل 1979 فأظنه وهمًا حتى لو جند الغرب آلاف العملاء.

 

إن إصرار الكيان الصهيوني على المعادلة الصفرية مع إيران ومساندة واشنطن العمياء واستسلام العالم العربي لحالة انعدام الإرادة، مقابل إصرار إيران على أن تكون قوة إقليمية بأي ثمن، سوف يؤدي حتمًا إلى مواجهةٍ عسكرية؛ ولذلك فإن ظهور العامل العربي أصبح أمرًا لا مفرَّ منه لإنقاذ العالم وضبط المعادلة؛ لأن هذا الظهور سوف يخفض من مساحات الطموح عند إيران والكيان الصهيوني، وهما يتكالبان بنهمٍ على الجسد العربي لرسم مستقبله وفق عوامل القوة المتاحة لكليهما، وهو أمر نرفضه ونحث حكامنا على رفضه والعمل الجاد لإنقاذ العالم.