أ. د. مصطفى هيكل
في ثلاث مقالات متتالية للأستاذ سليمان جودة بجريدة (المصري اليوم) بتاريخ 2/8 و8/8 و10/8/2008م، قدَّم سيادته خلالها فكرة واحدة مفادها أن وجود الإخوان المسلمين في الحياة السياسية هو العائق أمام الإصلاح الذي يجب أن يقوم به النظام، ويطلب من الإخوان بناءً على هذا الاستنتاج أن يريحوه ويريحوا البلد (على حد قوله)، وأن يعتزلوا العمل السياسي وأن يتفرغوا للعمل الدعوى والإصلاح الاجتماعي، وهذا وحده كفيل بأن يجعل النظام في مصر يسير بخطى حثيثة في مسيرة الإصلاح السياسي وإعطاء الحريات وإشاعة الديمقراطية!!.

وهنا لا بد من طرح عدة تساؤلات وإيضاحات أطرحها أمام القارئ، وأن يتكرم الأستاذ بالرد عليها ونشرها كما اتسع عموده لنشر رأي مؤيد له.
السؤال الأول: هل النظام في مصر لديه رغبه حقيقية في الإصلاح السياسي وتوفير مناخ ديمقراطي تطلق فيه الحريات العامة، ويتم بموجبه إجراء انتخابات حرة ونزيهة؟.. أعتقد أن الممارسات تؤكد عكس ذلك تمامًا، فانتخابات المحليات والشورى وما جرى في الجولة الثانية والثالثة في انتخابات مجلس الشعب، وأيضًا ما تم من تعديلات دستوريه مفصلة بالمقاس لأشخاص وليس لمجتمع، تؤكد أنه ليس هناك رغبة حقيقية لدى هذا النظام الشمولي- وريث الاتحاد الاشتراكي وحزب مصر- في التغيير وحتى تلك الانتخابات التشريعية التي قاطعها الإخوان في عام 1990م تم فيها التزوير لصالح هذا الحزب الشمولي.
والسؤال الثاني: إذا كان أركان هذا النظام يرون أن الشعب المصري لم ينضج بعد ولا يستطيع استيعاب الديمقراطية (راجع تصريحات السيد /رئيس الحكومة).. فقل لي بالله عليك هل ينتظر أن يمنح هذا الشعب غير الناضح أي جرعة من الديمقراطية قد تصيبه- لا قدَّر الله- بمكروه.
والسؤال الثالث: لم يكن للإخوان أي وجود في الساحة السياسية منذ العام 1954 وحتى العام 1984، فهل تحققت الديمقراطية؟؟- إذا كانوا هم الحجر العثرة- فلماذا لم يقم النظام الشمولي الناصري أو الساداتي أو المباركي خلال تلك الفترة بالإصلاح المنشود والديمقراطية المفتقدة؟!.
السؤال الرابع: إذا كان الإخوان هم السبب في تعطيل مسيرة الديمقراطية فما هو تفسير موقف النظام من أحزاب المعارضة التي يسعى دائمًا إلى تفتيتها وتهميشها ويحول دون ظهور أحزاب جديدة، ولماذا يحارب كل رأي حر، وما الموقف من الدكتور سعد الدين إبراهيم، ومن الدكتور أيمن نور، ومن رؤساء التحرير الأربعة المحالين للمحاكمات بسبب آرائهم- ببعيد.
لقد استدرجت الأحزاب السياسية إلى حوار مع الحزب الوطني عقب مبادرة الإصلاح التي أطلقها الإخوان عام 2004م، وكان الشرط المعلن- عدم إشراك الإخوان في الحوار- فماذا تم؟؟ لقد تم تجميد هذا الحوار وخرجت أحزاب المعارضة منه بخفي حنين.
والسؤال الخامس: إذا كان تيار الإخوان يسلك العمل السياسي السلمي ويتفقد القنوات الشرعية لخوض هذا العمل ويتعرض للبطش والتنكيل من هذا النظام، فهل الأولى أن يطلب من الضحية الانزواء أم يطلب من الجلاد أن يكفَّ يده، وأن يستفيد من هذا التيار الذي يملك قاعدةً عريضةً من الخبراء والمثقفين الذين يمثلون زخمًا بإثراء هذا المجتمع، ولا يمتنع أبدًا أن يكون سندًا لأي نظام إصلاحي أو لأي تيار يسعى إلى تصحيح مسار الأمة.
أما ما أريد أن ألقي الضوء عليه هو:-
أولاً: إن العمل السياسي جزء من عقيدة أي مسلم؛ لأن الإسلام دين شامل ينتظم شئون الحياة كلها من سياسة واقتصاد واجتماع وتعليم وصحة.. قال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الأنعام 38) فكيف بالمسلم أن ينأى بنفسه عن المطالبة بالحرية، وهي من أساسيات هذا الدين وكيف لا يشارك في هموم الأمة الداخلية والخارجية ورسولنا- صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم".
كما أن الإصلاح منظومة شاملة، فلن نستطيع أن نقوم بإصلاح اجتماعي أو إصلاح اقتصادي أو سياسي أو تعليمي أو صحي منفردًا عن باقي المجالات، والشاهد على ذلك المحاولات المضنية التي تبذلها الحكومة في مجال الإصلاح الاقتصادي الذي يجني العائد منه أشخاص بعينهم، كما صرَّح بذلك أحد المسئولين ولم نرَ أي مردود له على المجتمع.
ثانيًا: إن وجود الإخوان في الحياة السياسية كانت له إيجابياته الواضحة والتي لا تخفى على ذي بصيرة والتي أذكر منها:-
1- استطاع الإخوان بواسطة قائدهم العبقري الإمام حسن البنا أن يُعيد قضية فلسطين إلى ذاكرة الأمة في خلال العقد الثالث والرابع من القرن الماضي، وأن يجعلها قضية العرب والمسلمين الأولى.
2- كان للإخوان دور كبير في قتال الإنجليز في مدن القناة؛ مما أجبر المستعمر على الدخول في مفاوضات الجلاء.
3- الدور الكبير الذي قام به الإخوان في مساندة حركة يوليو عام 1952م وتصحيح المسار بإعادة اللواء محمد نجيب إلى الرئاسة بعد عزله في المرة الأولى، لا يجب أن ننساه أبدًا.
4- الممارسة الديمقراطية في دورات مجلس الشعب عام 1984، 1987، 2000، 2005، وقد سجّل بعض نواب الإخوان أرقامًا قياسية في استخدام الأدوات البرلمانية خلال تلك الدورات، وقد أشاد بذلك وزراء ومسئولون في الحزب الحاكم.
-----------
* أستاذ بجامعة بنها