محمد السروجي

انتهت الحزمة الأولى من سلسلة الانقلابات التي قادها المعسكر العلماني الأتاتوركي (المحكمة الدستورية العليا، والجيش وبعض رؤساء الجامعات والأحزاب) ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم؛ بدايةً من الإنذار الإلكتروني الذي أصدره رئيس أركان الجيش في 27/4/2007م، ثم اشتراط المحكمة الدستورية حصول جول على موافقة ثلثي أعضاء البرلمان للفوز بالرئاسة، ثم مقاطعة المؤسسة العسكرية لأسرة عبد الله جول بسبب زوجته المحجبة، وبعدها دخل الحزب في صراع سياسي شرس مع المعسكر العلماني الأتاتوركي بعد إقرار البرلمان في فبراير الماضي تعديلاً دستوريًّا يسمح بارتداء الحجاب في الجامعات، وهو التعديل الذي ألغته المحكمة الدستورية، وأخيرًا طلب المدَّعي العام بحظر الحزب وحرمان 71 من قيادته من ممارسة العمل السياسي؛ مما دعا معظم المراقبين إلى طرح توقعاتهم للخطوات القادمة التي سيتخذها الحزب حفاظًا على مكاسبه من عدم الحظر خلال معركته "التي لم تَنْتَهِ" مع المعسكر العلماني، ودارت التوقعات حول سيناريوهات الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وإجراء حزمة تعديلات دستورية، وإجراء تغييرات هيكلية داخل الحزب وحكومته.

 

إلا أن ملامح الفترة الحرجة القادمة سترسمها اتجاهات حزب العدالة نحو المعسكر الأتاتوركي المعارض، ويتوقع المراقبون أن هذه الاتجاهات ستتأثَّر بالتحذير شديد اللهجة الذي وجَّهته المحكمة الدستورية في حُكمها إلى الحزب من اتخاذ أي إجراءات مستقبلية من شأنها مخالفة النظام العلماني؛ وهو ما يعني أن الحزب سيظل تحت مراقبة المحكمة، وعلى هذا الأساس يُتوقَّع أن الحزب سوف يتعامل مع هذا القرار على أنه فرصة لكي يُقصيَ الأسماء الموصوفة بالراديكالية في حزبه، وينتهج سياسةً أكثر اعتدالاً وهدوءًا من تلك السياسات العدائية التي أبداها في الفترة الماضية.

 

خيارات البقاء

أولاً: الدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة أملاً في أن يحقِّق نتائج أكثر إيجابية تؤكد المكانة والثقل والشعبية، وعلى الطرف الآخر مكانة المعسكر العلماني الذي من المتوقَّع أنها في تراجعٍ كما تشير بعض الدراسات والاستطلاعات الأخيرة، لكن المناخ العام حاليًّا غير مناسب لإجراء انتخابات.

 

ثانيًا: تعديل وزاري يقوم به رئيس الوزراء ورئيس الحزب رجب طيب أردوغان في المناصب الحكومية والحزبية لكي يستبعد بعض الشخصيات مثار الرفض والانتقادات من جانب المعسكر العلماني؛ وذلك في إطار "تسوية" مع المعارضة لكي يستبعد أي ملامح "تشدد" في خطاب الحزب ضد خصومه السياسيين، ويؤخذ على هذا الخيار توقع انشقاقات داخل الحزب؛ مما قد يؤثر على شعبيته ومشروعه الإصلاحي.

 

ثالثًا: الدخول في حواراتٍ مع أحزاب المعارضة الأتاتوركية للخروج باتفاقٍ يتمكَّن بموجبه من إجراء حزمة تعديلات دستورية تضع شروطًا أكثر صعوبةً على حظر عمل الأحزاب السياسية كي يتجنَّب مواجهة جولة أخرى من دعاوى الحظر ضده مستقبل.

 

وهذا الخيار يعد أفضل الخطوات التي يجب على الحزب اتخاذها ليخرج من حيز التهديد إلى التهدئة دون تنازلات مباشرة أو انشقاقات.

 

رابعًا: الجمع بين السيناريو الثاني والثالث مع التفكيك الهادئ لتكتل المعسكر العلماني بإزاحة بعض عمداء وأساتذة الجامعات وإعادة النظر في تشكيل المحكمة الدستورية، خاصةً مع انتهاء فترة ولاية أعضائها بنهاية العام 2008 ودور رئيس الدولة في تعيين أعضائها.
وأخيرًا..

قد يتفق أو يختلف البعض هنا وهناك مع نموذج حزب العدالة، ولكن وفي جميع الأحوال التجربة الديمقراطية التركية جديرة بالاحترام والاهتمام والرعاية حتى يكتب لها النجاح في ظل مناخ عربي وإسلامي فاسد ومستبد وإقليمي منحاز ومتخاذل وعالمي حائر ومتآمر.