تبدلت الموازين الديمقراطية والأعراف السياسية المتداولة والمتوارثة، وانقلبت على مبتدعيها، لا سيما الإدارة الأمريكية؛ وذلك بعدما حقَّقت حركة حماس فوزًا مستحقًّا في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، والتي أشرف عليها وزير العدل الأمريكي السابق رمزي كلارك، بالإضافة إلى عددٍ كبيرٍ من الحقوقيين الغربيين.

 

شهد الغرب والعالم أجمع بأن العملية الانتخابية للمجلس التشريعي الفلسطيني الأخيرة كانت أكثر الانتخابات ديمقراطيةً ونزاهة؛ ليس فقط في فلسطين، وإنما في المنطقة العربية برمتها، إلا أن المنافس الحقيقي لحماس في الانتخابات التشريعية (حركة فتح) رفضت في بادئ الأمر القبول بالهزيمة، وبدأ منذ تلك اللحظة الانقلاب المُمَنْهَج والمدروس من قِبل بعض أفراد حركة فتح المتنفذين والمدعومين بالمال من أمريكا والصهاينة على نتائج الانتخابات.

 

ومن الحديثِ بالسر.. إلى العمل بالعلن.. فالجهرِ بالسوء، تطورت أساليب وأدوات من انقلب على الشرعية الفلسطينية بحق، وتمثَّلت أولى هذه الأساليب في عدم الانتظام في حضور جلسات المجلس التشريعي، وصولاً إلى الانقطاع التام عن حضور الجلسات؛ بهدف شل عمل المجلس، ثم وبعد أن شُكِّلت الحكومة الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية رفضت كافة الوزارات تسليمها للحكومة الجديدة، هذا فضلاً عن حالات العنف والبلطجة وإطلاق النار التي صاحبت تسليم وتسلم الوزارات، سواءٌ كان ذلك في الضفة الغربية أو في قطاع غزة.

 

لم تَنْتَهِ الأمور عند هذا الحد؛ إذ قام العدو الصهيوني باعتقال رأس الشرعية الفلسطينية رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور عزيز الدويك، بالإضافة إلى النواب والوزراء من حكومة حماس؛ وذلك لذات الهدف الذي دفع كتلة فتح البرلمانية إلى عدم حضور جلسات المجلس التشريعي، ثم لتبدأ حالات الفوضى والفلتان الأمني تطل برأسها على الضفة المحتلة وغزة، ليطلب بعدها محمود عباس أن تكون وزارة الداخلية الفلسطينية تابعةً بصورةٍ مباشرةٍ له، بما في ذلك أفراد الأمن العام والوقائي والمخابرات، والذين تلقَّوا أوامر مباشرة بعدم الانصياع لأوامر وزير الداخلية الفلسطينية سعيد صيام، بل إن هذه القوات نفسها وبدلاً من أن تحافظ على الأمن والأمان قامت هي بعمليات الفلتان الأمني!!

 

تطوَّرت الأمور بعد ذلك من خلال مجموعة دايتون الانقلابية في قطاع غزة برئاسة محمد دحلان، والتي بدأت تصلها الأموال الطائلة والأسلحة المتوسطة والخفيفة من الكيان الصهيوني عبر أمريكا بهدف القضاء على الحكومة الفلسطينية عبر انقلابٍ عسكري مدروس، يتمثَّل في زعزعة الأمن والنظام، فبدأت تشن هجماتها من خلال مبنى الأمن الوقائي الذي يعرف بـ"السفينة"، فقتلت القادة والمجاهدين وأئمة المساجد والأطفال والنساء، إلى أن قامت كتائب الشهيد عز الدين القسام وقبل يومٍ واحدٍ من تنفيذ خطة دايتون بالقضاء على هذه المجموعة المنفلتة؛ لتظهر على السطح حقيقة ما كانت تخطط له.

 

فرَّ الانقلابيون إلى حضن الصهاينة ليقوم العدو الصهيوني بإيصالهم إلى الضفة الغربية، لتبدأ معاناة جديدة هناك، وحلقة أخرى من المعاناة من خلال تكرار مشهد الانفلات نفسه في غزة، كما فرَّ أفراد من عائلة حلس بذات الطريقة مؤخرًا، واللبيبُ بالإشارة يفهم.

 

أعادت الحكومة الفلسطينية الأمن إلى قطاع غزة عبر قوات أمن جديدة سُمِّيت بـ"القوة التنفيذية"؛ اعتبر "أبو مازن" وجود هذه القوات مخالفًا للدستور، فأصدر مرسومًا رئاسيًّا "غير دستوري" بحل هذه القوات واعتبارها مليشيات مقاتلة!!

 

وبقي العالم ينظر إلى الواقع الفلسطيني بعين واحدة هي عين السلطة الفلسطينية في رام الله، ونزع هذا العالم من ذاكرته خيار الشعب الفلسطيني بوجود حماس في السلطة، وعاب آخرون على حركة حماس انتصارها لشعبها من خلال التصدي لمجموعة العملاء، ووضع هؤلاء "الآخرون" حماس والانقلابيين في ميزانٍ واحد! ليختصر الدكتور محمود الزهار المشهد الفلسطيني من خلال قوله: "لا نستطيع أن نواجه المحتل وظهورنا مكشوفة للانقلابيين"!