الصورة غير متاحة

د. حلمي محمد القاعود

يمثل التعليم ركنًا مهمًّا في بناء المجتمع وتقدمه وتفوقه على الآخرين؛ سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا وحضاريًّا، وقد أولى برنامج حزب الإخوان المقترح اهتمامًا ملحوظًا بالتعليم وربطه بالتربية، ولذا خُصِّص له الباب الثالث، بعد البابين الأساسيين: مبادئ الحزب وتوجهاته، والنظام السياسي في الدولة.

 

وواضحٌ أن ناقدي البرنامج لم يلتفتوا إلى قضية التعليم في مفهوم برنامج الإخوان، ولم يتوقفوا عندها ولو بإشارة سريعة، وركَّزوا على بعض النقاط الجدلية المتعلقة بهيئة العلماء وولاية المرأة والنصارى وما يسمَّى (المواطنة)، وكلها نقاط ملتبسة، وتحتاج إلى مناقشة اصطلاحية سنتعرض لها بمشيئة الله في سطور لاحقة.

 

بيد أن قضية التعليم تبقى هي المحور الرئيسي والأساسي في نهضة الأمم إذا أرادت النهوض، وهو ما فعلته شعوب أخرى، مثل اليابان واليهود ثم ماليزيا وتايوان وكوريا وسنغافورة والهند وإيران وجنوب إفريقيا والبرازيل وتركيا.

 

ومع تقديري للاهتمام بقضية التعليم في برنامج الحزب المقترح للإخوان، أو الحزب المستحيل كما أتوقع، فإن معالجتها من حيث الصياغة استسلمت للغة إنشائية مطاطة مسهبة، وهو ما يجعلها عُرضةً للتأويل والتشتيت، وكنت أتمنى أن تكون موجزةً ومحدَّدةً، مع ترك التفاصيل لمن يقومون بالتنفيذ، فالبرنامج يضع خطوطًا عامةً ولا يتطرق إلى التفاصيل الدقيقة، (مصطلح خطوط هنا أفضل من إستراتيجيات؛ فالإستراتيجية مصطلح مستهلك يثير الإشفاق في بلادنا أكثر مما يثير الاهتمام؛ حيث لا تعتمد إستراتيجيةً ولا تكتيكًا، وتكتفي بالنبُّوت في حل مشكلاتها ومواجهة قضاياها مع الشعب، والاستسلام والرضوخ مع الخارج).

 

هل تأثر من صاغوا هذا الباب بلغة كليات التربية وأدبياتها التي تميل للإنشائية والخطابة أكثر مما تعتمد الدقة والوضوح؟ ربما..

 

ولنتأمل العناوين التالية التي تتداخل في الصياغة: مبادئ عامة، الرسالة، الفلسفة والأهداف، الرؤية، القواعد الحاكمة، وكان يمكن اختزالها تحت عنوان واحد، وصياغتها في بضعة أسطر واضحة ومحددة.

 

بيد أن هناك نقطتين لم يُشِرْ إليهما البرنامج أو لم يتوقف عندهما كما ينبغي؛ الأولى قضية تعدد أنواع التعليم الأساسي؛ فهناك مدارس لغات ومدارس خاصة ذات برامج متباينة، وهناك التعليم الحكومي، وهو ما يتناقض مع غاية البرنامج في مجال تعميق الهوية العربية الإسلامية، وتعزيز الوحدة الوطنية فكرًا وسلوكًا.

 

إن هذه المدارس القائمة تنتج أشخاصًا متعددي الثقافة، مختلفي الفكر والتصور، وهو ما يسهم في خلخلة البناء الاجتماعي والثقافي، ويوسع الهوَّة بين طبقات المجتمع؛ حيث تنتمي الطبقة العليا ومقلِّدوها إلى ثقافة بعيدة عن روح الأمة، وتعيش بقية الطبقات في ظل ثقافة عربية- كما يفترض- ولكنها مشوبة بالدونية والاحتقار في نظر الطبقة العليا ومقلديها.

 

إن توحيد التعليم الأساسي على أساس الثقافة العربية الإسلامية ضرورة أساسية لتكوين الوجدان الاجتماعي المنتمي للوطن والأمة، أما تعدده فإنه يمثِّل خطورةً كبيرةً تتحاشاها الدول المتقدمة والدول النامية، وقد رأينا موقف دول الغرب من الجاليات الإسلامية فيها، وتحت ذريعة الاندماج فرضوا عليها الالتزام بمناهجهم الدراسية وقيمهم الثقافية الغربية، ونحن في بلادنا لسنا جاليةً تتلقى الأوامر من أحد.

 

ولم يعُد من المنطقي أن تتعدد المدارس بتعدد الثقافات في وطن أغلبيته الساحقة (95% وربما أكثر) ثقافة عربية إسلامية.

 

وتتصل النقطة الأخرى بالنقطة الأولى وهي التعليم الأجنبي؛ فمن المعيب والمخزي أن تأخذ اللغات الأجنبية وثقافتها نصيب الأسد في التعليم الخاص، وأن يدرس التلميذ المصري بلغة أجنبية، بينما لغته الأصلية هي اللغة العربية، لغة قومه ولغة دينه ولغة الثقافة المهيمنة على كل سكان العالم العربي.

 

إن ما يسمى مدارس اللغات خطأٌ تاريخيٌّ يجب تداركه؛ لأن اللغة تصنع الوجدان والفكر والقلب والعقل، ولسنا بحاجة فيما أعتقد لتخريج مثقفين إنجليز وفرنسيين وألمان و.. نحن بحاجة إلى مثقف عربي مسلم الدين أو الثقافة، وهو ما كان ينبغي الالتفات إليه والتأكيد عليه بكلمات صريحة واضحة، لا تكتفي ببند يقول "ضبط سياسة التعليم الأجنبي بما يتفق مع سياسة الدولة وخطط التنمية"؛ فهذا بند مطَّاط لا يصبُّ في قومية الثقافة وتعريبها، يمكن القول بجواز فتح مدارس للوافدين فقط تحت إشراف سفاراتهم أو داخلها لا يلتحق بها المصريون تحت أي ظرف من الظروف، ولها في هذه الحال أن تدرس المناهج التي تتفق وثقافة بلادها الأصلية، أما أن نقدم أبناءنا مجانًا لهذه الثقافات قبل أن يتعرَّفوا على ثقافتهم القومية والدينية فهو تفريطٌ له نتائجه السلبية في كل الأحوال.

 

وإذا كان هناك بند يتحدث عن "إفراد اللغة العربية في المراحل الأولى للتعليم" فهو بند في المطلق، لأنه لا يشمل المدارس الأجنبية التي يدرس بها المصريون.

 

إن قضية اللغة العربية أمن قومي، مع اعتذاري عن استخدام لفظ الأمن الذي تسلَّل إلى كل عناصر حياتنا؛ فاللغة في أية أمة هي صورتها الفكرية والحضارية، وهي أيضًا تعبير عن مدى قوتها وضعفها، وحين قوي الإنجليز قويت لغتهم وشاعت وانتشرت في أرجاء الأرض، وهو ما يترجِم بصورة ما مقولة "بريطانيا العظمى" أو "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس"، كما كانت كذلك ذات يوم، والفرنسيون صنعوا هيكلاً سياسيًّا اسمه الفرانكفونية يضم الدول التي تتحدث الفرنسية أو الموالية لها، فضلاً عن اهتمامهم الكبير بنشر الفرنسية بكل طريقة ممكنة، واعتزاز الألمان بلغتهم، وإصرارهم على التحدث بها ولو كانوا يعرفون غيرها أمر يثير الإعجاب.

 

ولا شك أن واضعي برنامج الحزب المستحيل يعرفون قيمة اللغة العربية وأهميتها؛ بدليل النص على إفرادها في المرحلة الأولى من التعليم، ولكنني كنت أطمع أن يخصصوا للغة العربية مساحةً أكبر تؤكد على أهميتها وضرورتها في ظل الانهيار الذي تعانيه الأمة، ويمثل الاستخفاف باللغة جزءًا منه، سواءٌ بالسخرية منها أو ازدرائها، أو إهانتها في أجهزة الإعلام، أو إقصائها في الإعلانات ومسميات المحلات والمؤسسات والشركات.

 

اللغة العربية يجب أن تكون لغة التعليم في جميع المراحل التعليمية، ولا يعني ذلك أن نتوقف عن تعلم اللغات الأجنبية، فتعلمها ضرورة حضارية، ولكن في مرحلة متأخرة نسبيًّا، وبصورة لا تعطيها الأفضلية على اللغة العربية.