لقد اختار الإخوان المسلمون طريقًا يحتاج إلى الإخلاص والحكمة والخبرة، كما يحتاج إلى الإيمان والوعي والصبر، ولقد نشأت الجماعة على أفكار شابٍّ موهوب، وفَّقه الله سبحانه وتعالى إلى تشخيص أمراض الأمة، ووضع العلاج الذي يعتقد أنه مناسب وصحيح بقدر قربه من منهج الإسلام وحرصه على نهج الرسول الأعظم؛ محمد صلى الله عليه وسلم.
ولقد كان الإمام حسن البنا رحمه الله وتقبَّله مع الشهداء يعتبر- كما كتب الأستاذ عدنان أبو عامر- أن التنظيم وسيلة لا غاية, كما هي الدولة، وآلية لأهداف عليا وليس بديلاً عنها أو ملغيًا لها؛ فإذا كان الإسلام منهجًا عالميًّا، فإنه يفرض أن يكون أتباعه والعاملون له، أفرادًا ومؤسساتٍ وحركاتٍ، على جانب كبير من الانفتاح على جميع فئات المجتمع، وإذا كان الدور الأساسي للإسلاميين معالجة البشرية من أمراضها وعللها ومساعدتها على حل مشاكلها؛ فإن ذلك يقتضي الانطلاق لا الانغلاق، وإذا كان دور الدولة الإسلامية أن تكون شاهدةً على الناس بالحق؛ فإن هذا الشهود يحتاج إلى الحضور لا الغياب.
في ضوء هذا الاختيار واجهت الجماعة وستواجه كثيرًا من الحقد والتربص والغيرة والحسد بنفس القدر الذي تجد فيه ترحابًا واحترامًا وتقديرًا للتضحيات التي تقدمها في سبيل تحقيق المهمة المكلفة بها، وحبًّا ورغبةً في سلوك مسلكها.
من هنا يمكن لنا أن نتفهَّم ما يدور حولنا من معارك يصنعها أو يفتعلها الصنف الأول ويروِّج لها إعلاميًّا؛ بما يهدف إلى إصابة الصف داخل الجماعة والمحبين لها ومن يمثل الصنف الثاني بالاضطراب والحيرة والتشكك في الأداء حتى تصل إلى النوايا، هنا تبرز مجموعة من القيم والمعاني التي يتربَّى عليها الإخوان ومن حولهم بحكم الخلطة والمعاشرة؛ مثل حسن الظن والثقة والنصيحة المخلصة والتثبت والمراجعة، وكل من يتجاوزها يقع في المحظور الذي يهدد أي صف وأي جماعة.
أدرك بحكم الممارسة والخبرة وبعض العلم أن اهتزاز ركن الثقة يتبعه انفراط في ركن الطاعة، وهو ما يفسد أي عمل جماعي؛ لذا يجب أن نحتاط من هذا المدخل الذي يلعب على وتره البعض عامدًا والبعض جاهلاً عن غير قصد من صحفيين أو باحثين أو مثقفين يجدون في اختلافهم مع الإخوان سبوبةً للحضور على الساحة أو رفاهيةً في الحياة! ومحاولة تعريفهم أو توضيح الأمور لهم غالبًا ما تصاب بفيروس الفشل الدائم؛ لأن حياته واستمرارها تقوم على مثل هذا الموقف المهاجم الناقد بالحق والباطل، وهذا صنف يجب على كل مهموم بالعمل العام أو متابع للحركة الإسلامية أو من صفوفها أن يعرفهم ويحددهم عندما يستمع إليهم أو يقرأ لهم.
ولعل كثيرًا من التصريحات الصحفية والحوارات التي تُنشَر على صفحات الجرائد مع رموز وقيادات الإخوان لا تخلو من تلاعب في الألفاظ تارةً والصياغة تارةً أخرى وفي العناوين أغلب الأحوال والتي هي ملك للقائم على التحرير يختارها كيف يشاء؛ تحقيقًا لرؤية وأهداف الجريدة وأصحابها، وهذا أمر لا مانع منه إذا لم يغير في الوقائع والمعاني والكلمات المؤثرة لصاحب الحوار؛ خروجًا عن الصدق والمهنية وأمانة الكلمة تحت شعار شرف الكلمة قبل حريتها!!.
وقد كنت للأسف أحد هؤلاء الذين تم تحريف الكثير من أحاديثه، واستلزم الأمر رفع بعض القضايا ضد صحفيين وأحد البرامج على الفضائية المصرية لإقرار الحق ولكن يبدو من القضاء الذي لم يحظَ باستقلاله حتى الآن أن الوقت لا قيمة له وهذا عين الظلم ذاته!! بل وصل الأمر أن نُشِرَت على لساني حوارات لم أُدلِ بها، بل تم تجميعها من تصريحات سابقة على أجزاء من مقالات سابقة، في خلط متعمَّد يقبع فوقه عنوان مثير كما حدث في العدد الأسبوعي للدستور بتاريخ 16 يوليو 2008م!!.
ولقد اضطررت أكثر من مرة لكتابة مقال لتوضيح رأيي الخاص ووجهة نظري في موضوعين أثير حولهما كثير من اللغط؛ "كي يقرأ مني بدلاً من أن يقرأ عني"؛ الأول بعد صدور برنامج الإخوان، وجاء توضيحي في مقالة "حسن الظن بين الدعوي والسياسي"، والثاني بعد الانتخابات التكميلية لمكتب الإرشاد في مقالة بعنوان "انتخابات الإخوان.. ما لها وما عليها".
أما ما يستحق التوضيح اليوم فهو سؤال وُجِّهَ إليَّ من جريدة (اليوم السابع) ضمن حوار كامل كان كالتالي:
* هل هناك تيار إصلاحي حقيقي داخل الجماعة؟
** لا يوجد مثل هذه المسميات داخل الجماعة؛ فهي ليست موجودة إلا عند من يلهث أو يتصارع حولها، ولكن يمكن القول بأن هناك مدرستين بالجماعة أو اتجاهين؛ أولهما يمثله عمر التلمساني الشخصية المنفتحة على المجتمع، حتى إن الإخوان استطاعوا أن يقوموا بعمل 3 برامج لأحزاب سياسية مختلفة، بينما مدرسة مصطفى مشهور أكثر تشددًا وحفاظًا على سريه الجماعة.. انتهى.
وهي لا شك إجابة مختزلة من الصحفية؛ حيث تكلمت في هذا المعنى كثيرًا، لكن يبدو أنها لم تفهم منه سوى هذه الكلمات، ولأن البعض قد أثاره التقسيم بما يعني وجود منهجين أو خطين فكريَّين داخل الجماعة وهو ما لم أقصده؛ لأنه من المستحيل على جماعة لها منهج فكري واضح تميَّزت به طوال تاريخها أن تنتهي بمنهجَين فكريَّين!.
وقد استشعرت ذلك من عدة حوارات دارت حول هذا المعنى؛ مما جعلني أكتب اليوم توضيحًا أن ما قصدته هو مدارس الطباع والرؤى التي تتنوَّع؛ مما يجعل أداء الجماعة في عصر كل مرشد يختلف عن الآخر، رغم ثبات النهج والقصد والهدف، ولا شك أن عهد الأستاذ البنا المؤسس اختلف عن عهد الأستاذ الهضيبي الأب وسط المحن والفتن التي لاحقت الإخوان، ولا شك أن أداء الأستاذ البنا لو عاصر ما عاصره الأستاذ المستشار الهضيبي سيكون مختلفًا، فرأينا كيف أن البنا أصدر "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين" عندما خالف الشباب نهج الجماعة وتصرَّفوا اجتهادًا فيما مسَّ حياة الآخرين في إطار ثوابت للجماعة.
وعليه فإن المستشار الهضيبي قد فعل ما كان سيفعله البنا عندما فارق التكفيريين وأعلن "نحن دعاة لا قضاة"؛ فالثوابت لا يمكن أن يختلف عليها اثنان، لكن طبيعة الداعية ليست كطبيعة القاضي، ومن هنا تعدَّدت مدارس الأشخاص كما تعدَّدت طبائع الصحابة رضوان الله عليهم، ولكنهم كانوا يتنافسون في طاعة الله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، كلٌّ بما حباه الله من ملكات وقدرات، ولا يمنع هذا أن الأستاذ مصطفى مشهور ابن التنظيم الخاص- كما يحلو للبعض أن يطلق عليه رحمه الله رحمةً واسعةً- كان أكثر ديمقراطيةً وممارسةً للشورى من كثيرين حوله.
هذه الاختلافات في طبائع الأشخاص هي التي جعلت الإمام البنا رحمه الله يرفض طلبًا للشيخ محمد الغزالي كي ينضم إلى التنظيم الخاص لمقاومة المحتل على أرض مصر، وكما يروي بعض من عاصروه أن الأستاذ البنا قال له "يا شيخ محمد.. إن بك صفتين لا تجعلان منك رجلاً مناسبا للعمل في النظام الخاص؛ أولاهما أنك تأخذ الأمر لتعرف حكمته وتفنِّده قبل أن تنفِّذه وهو ما لا يناسب مع العمل في التنظيم، كما أنك إذا غضبت ظهرت معالم ذلك في قسمات وجهك وعلى سن قلمك؛ فانشغل بالدعوة إلى الله يا شيخ محمد، وسيبك من التنظيم الخاص".
رحمك الله من إمام نجح في توصيف قدرات جنوده، ثم نجح في توظيفها في المكان المناسب، هذا ما قصدته من مدرسة الانفتاح ومدرسة تحصين الذات، وكلتاهما تصب في بعضهما البعض، فالانفتاح يحقق الحصانة، وكذلك التربية والحرص على الذات يضمنان نجاح الانفتاح الذي لا يختلف عليه اثنان في الجماعة؛ لذا نرجو أن نحقق في أنفسنا- قيادةً وأفرادًا- ثوابت الجماعة التي أقرها الأستاذ المؤسس ولم يختلف عليها اثنان، وهي خمسة ثوابت: أولها الربانية، ثم الشمولية، ثم التربية، ثم التدرج، ثم الشورى الملزمة، ثم ليتحرك كل منا طبقًا لملكاته وطباعه وقدراته، في إطار هذه الثوابت التي ترفض العنف في الكلمة وفي الفعل، وتفتح أبواب الحوار كوسيلة للتواصل، ووقتها لن نخشى أي حديث مزوَّر أو مختلَق أو مدسوس علينا، ووقتها سيحقق حسن الظن وستحقق الثقة ما نرجوه جميعًا؛ من وحدة الصف ورشد القيادة وتحقيق الأهداف في وقتها المناسب، دون فرقة أو خلاف ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيْبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).
-----------