لم تكن ظاهرةُ الطوابير غريبةً على المجتمع المصري الذي يرزح تحت الإدارات الفاسدة والاستبداد السياسي, لكن اللافت هذه الأيام هو اتساع هذه الظاهرة حتى باتت مشهدًا مألوفًا في كل المناسبات، بل أصبحت في عمق ثقافة المواطن المطحون.
لست أدري كيف يتسنَّى لمواطنٍ مصري يضيع معظم وقته في الوقوف الساعات الطويلة في طوابيرَ ممتدةٍ للحصول على ما يريد, أن يكون مواطنًا فعَّالاً في الحياة؟! وكيف يُنتج ويساهم في بناء الوطن؟!
دعونا من الأوهام، واتركونا نصارح أنفسنا؛ فلن يكون هناك مستقبل للوطن والمواطنين إلا بالشعور بالانتماء لثرى هذه الأرض الطيبة، والذي هو جزءٌ من الانتماء الكبير والعظيم لإسلامنا وشريعتنا الغرَّاء.
ويستحيل تطبيق ذلك إلا بالإصلاح والتغيير المنشودَين في هذا الوطن ولصالح هذا الشعب المغلوب على أمره؛ فلقد بلغ السيل الزبى، وبات الوطن والبلاد والعباد على شفا الهاوية والضياع ما لم تأتِ سفينة الإنقاذ فتأخذهم إلى شاطئ الأمان.
أترككم مع بعض المشاهد الجديدة التي ألقت بظلالها على حياتنا حتى تعوَّدنا عليها، وبتنا نألفها، وربما سيكون من المستغرَب أن نراها اختفت ليقيننا بأن القادم أسوأ، ولرفعنا شعار "ليس بالإمكان أبدع مما كان".
(في مشهدٍ غير مألوف وجدنا لأول مرة طوابيرَ طويلةً- وهي هنا من السيارات وليست من الأفراد- على محطات الوقود للتزوُّد بالبنزين؛ فمع زيادة أسعار الوقود بأنواعه بقي بنزين 80 محتفظًا بسعره كما هو، فزاد الإقبال عليه بشكلٍ كبيرٍ، فلم تستطع الحكومة ووزارة البترول استيعابَ الطلب عليه, وقيل إن الحكومة قلَّلت الكميةَ في الأسواق تمهيدًا لاختفائه أو زيادة سعره, غير أن العجيب والغريب في المشهد أن بنزين 90 الذي من المفترَض أن الإقبال عليه قد قلَّ وأن سعره قد زاد إلى 40% هو نفسه أصبح قليلاً في محطات الوقود، وبات من المألوف أنك لا تجد في محطات الوقود أي نوع من الوقود، سواءٌ كان بنزينًا أو سولارًا, وإذا نما إلى العلم وجود بنزين 80 في أية محطة وقود لفت انتباهَك السباقُ المحموم، للفتح الكبير، نحو هذه المحطة للانتظار في طوابيرَ لساعاتٍ طويلةٍ لشرف التزود بهذا البنزين!).
سيدهشك الأمر حين ترى أن حكومتنا الرشيدة تفخر بزيادة الحصيلة من العملة الصعبة (الدولار) بسبب زيادة الصادرات من البترول والغاز حتى وصلت في عام 2007 إلى 11 مليار دولار, لكن الغضب سيرسم قسمات وجهك حين تعي أن ذلك هو الوهم الكبير؛ فعلى الرغم من أن سعر البرميل الخام من البترول قد وصل إلى أكثر من 160 دولارًا- وهي زيادةٌ من المفترض أن تصب في مصلحة الاقتصاد الوطني- إلا أن احتياطي مصر من البترول والغاز سينفد بعد 20 عامًا على أقصى تقدير كما يقول كل الخبراء المحليين والعالميين، وسنتسوَّل الطاقة بعد ذلك، ناهيك على أن الدخول العالية من تصدير البترول يذهب معظمها إلى الشركات المنقِّبة والمستخرِجة للبترول ولا يستفيد منه الشعب المصري.
الطوابير امتدت حتى شملت كلَّ ما يخدم المواطنين؛ فعند استخراج شهادات الميلاد أو استخراج بطاقة الرقم القومي أو العلاج في المستشفيات أو في الشهر العقاري أو طلب أية خدمة في أية مؤسسة من مؤسسات الدولة، تجد نفسك في ذيل طابور لانتظار دورك، وبخاصة طوابير العيش الشهيرة للحصول على هذه السلعة النادرة.
غير أن العجيب في هذا المشهد المرفوض في أية دولة تحترم مواطنيها وتقدرهم, أن ظاهرة الطوابير امتدت إلى المؤسسات التي تستفيد بشكل كبير من المواطن نفسه، وهي في حاجةٍ ماسَّة إليه وإلى جيبه وودائعه كما يحدث في البنوك التي ما زالت مملوكةً للدولة؛ فعليك الوقوف لساعات طويلة حتى تصل إلى شباك البنك لإيداع نقودك في مهانةٍ غير مسبوقة للمواطنين!
لكن ظاهرة الطوابير التي اتسعت بشكل غير مسبوق لم تكن اللافت في الموضوع، لكن اللافت هو الدراما والتراجيديا التي صبغت تلك الطوابير؛ فالعنف والضرب والسنج والمطاوي ووقوع الضحايا والمرضى بسبب الزحام هي الحاكم الآن في ثقافة الطوابير التي تبدأ بالاعتراض على وقوف مواطن في غير دوره وتنتهي بالضرب بآلة حادة بغرض التأديب أحيانًا والبلطجة أحيانًا أخرى، وينتهي المشهد بإصابات وربما بجريمة قتل، وأضعف الإيمان الخروج بكرامة مجروحة من هذا الهوان.
إذا بحثت في الأسباب ستجد البيروقراطية وسوء التخطيط، وسوء الأوضاع الاقتصادية والفساد، والغش والتزوير، وانتهاك حقوق الإنسان وعدم احترام آدميته، وانسداد الأفق السياسي والاستبداد، واحتكار السلطة والثروة، والفساد والفشل الاقتصادي من قِبل النظام، ولعل أسبابًا أخرى تتعلق بالمواطن، وهي السلبية واللامبالاة، وعدم المطالبة بالحقوق والرضا بالأمر الواقع.
لقد أبدع النظام الحاكم في انتهاك كرامة وحقوق الشعب المصري، ونجح- إلى حدِّ الإعجاب من قِبل المستبدين وأعداء الوطن- في إنهاك المواطنين في البحث عما يسدون به رمقهم ورمق عيالهم دون النظر إلى المستقبل والتخطيط للعيش بكرامة في هذا الوطن المقموع.
لكن دوام الحال من المحال، وستشرق الشمس حتمًا على ربوع الوطن، وسينتفض الناس في نهاية النفق المظلم؛ حيث الأمل في التغيير أصبح هاتفًا في عقول كل الشرفاء والأحرار في هذا الوطن.
وإن غدًا لناظره قريب.